فيما ليس عضويا 3 ...!
29 تشرين اول, 2008

كنت في التدوينتين السابقتين حاولت عرض ابرز وجهات النظر في المقالات العربية حول الازمة المالية العالمية...

في هذه التدوينة سأحاول تلخيص ما حصل، بحسب وجهات نظر الكتّاب الاقتصاديين اساسا..

يجمع كل الكتّاب الاقتصاديين، وليس المؤدلجيين منهم، على ان الازمة المالية العالمية هي في الاساس ازمة "سيولة" نقدية في الاسواق. بمعنى عدم توفر نقد كافي لدى البنوك للممارسة نشاطتها المعتادة وتلبية طلبات المودعين حيث ان 90% من حجم رأس المال التشغيلي للبنوك تأتي من اموال المودعين.

لكن ما الذي تسبب بازمة السيولة هذه؟ ومتى بدأت؟ وماذا يتوقع لمسارها؟.

بداية، لا بد من معرفة الاطار النظري الاقتصادي العام الذي تعمل ضمنه اقتصادات الدول الرأسمالية.

مع بدء انهيار الدول الاشتراكية وتوقف الحرب الباردة وغياب المنافس او "النقيض"، بدأت النظرية الاقتصادية الرأسمالية "الرسمية"، ان جاز ليّ التعبير، في التغير. فقد حلت مدرسة "شيكاغو" وعمدتها الاقتصادي المعروف ميلتون فريدمان محل المدرسة "الكينيزية" وعمدتها مينارد كيينز في الاقتصاد. وكان الرئيس الاميركية فرانكلين روزفلت قد اتخذ من المدرسة الكينزية سياسة اقتصادية "للدولة". او ما عرف "الليبرالية الديمقراطية"..

اما مدرسة "شيكاغو" التي عرفت بالليبرالية الجديدة، هذه المدرسة اخذت اسمها من جامعة شيكاغو، وكثير من الكتّاب ركزوا على الطبيعة الوحشية لولاية شيكاغو التي نمت فيها هذه المدرسة.

على اي حال، فان هذه المدرسة "شيكاغو"، هي تطوير لمدرسة "الليبرالية" "القديمة"، وعمدتها آدم سميث صاحب كتاب "ثراء الامم"، في القرن التاسع عشر.

هذه المدرسة ، اي شيكاغو، اتيح لعمدتها، فريدمان الحائز على نوبل في الاقتصاد، العمل ضمن فريق مستشاري الرئيس الاميركي الاسبق رونالد ريغان، وهو من المحافظين الجدد، في اول ولايته الاولى (1980). ما اتاح له تطبيق نظرياته الاقتصادية الليبرالية الجديدة.

بعد ذلك تبنت رئيسة الوزراء البريطانية مارغرت تاتشر هذه السياسة، لذلك يقال عنها "رأسمالية انغلو سكسونية"، لكن الامر لم يتوقف عن "الانغلو سكسونيين" فقد تبنى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة الدولية، تعميم هذا "النموذج" على اغلب بلدان العالم وخاصة الفقيرة منها من خلال سياسة الاقراض وفرض الشروط وخطابات النوايا، وشروط صندوق النقد الدولي المعروفة ومفاوضات التجارة الدولية. او من خلال ما عرف بـ"اجماع واشنطن"..

المعروف ان مدرسة "شيكاغو" او الليبراليون الجدد، يدعون الى وقف تدخل الدولة في الاقتصاد بشكل كامل، وترك الحرية الكاملة للسوق في تنظيم عمل الاقتصاد، اما دور الدولة فيتم عبر "السياسة النقدية"، بمعنى ان البنك المركزي يتدخل في السوق من خلال ادوات نقدية توسعية، في حال الركود، او انكماشية في حال النمو المنفلت من عقاله لمواجهة احتمال الوقع في ازمة "فيض الانتاج"، وذلك عبر ادوات مالية مثل: سعر الفائدة على القروض والودائع او سعر الخصم او السقوف الائتمانية او الاحتياطي الالزامي، وهو نسبة ما يفرضه البنك المركزي على البنوك من وديعة لديه.

المهم...!

في ظل هذه السياسة الاقتصادية، وبعد الغاء قانون غلاس ستيغمان، 1999، في الولايات المتحدة الذي رفع المنع عن البنوك بالقيام بعدة انشطة استثمارية وتجارية، نمت بنوك عملاقة مهمتها الرهن العقاري فقط، اي الاقراض لتمويل بيع وشراء العقارات. بعد ذلك نمت شركات التأمين العملاقة التي بدأت ومقابل نسبة بسيطة بالتأمين على ما يعرف بمخاطر الاستثمار. لذلك فأن بنوك الاقراض هذه بدأت بالقيام بمخاطر استثمارية كبيرة مستندة الى "التأمين" من قبل الشركات.

وهنا بدأت اول عجلات الازمة، فقد بدأت البنوك هذه باقراض كل من هب ودب لشراء او بناء عقار او بضمان عقار، وقد بلغ حجم الرهن العقاري في الولايات المتحدة وحدها 1.6 تريليون دولار من اصل حجم كل الاقراض الذي كان يبلغ 36 تريليون دورلا.

كانت هذه البنوك تقرض الناس على امل ان تسترد اموالها لكنها في المقابل كانت تبيع هذه الديون لشركات "التأمين.

تأمل البنوك المقرضة ان يسدد المقترض فوائد القرض خلال العامين الاولين، ثم يبدأ بتسديد اصل القرض زائد الفائدة. لكن بسبب تباطوء النمو في الاقتصاد الحقيقي وزيادة البطالة وتقلص القيمة الشرائية عجز الكثيرين عن سداد اموالهم وبدأو بعرض منازلهم للبيع وقد قدر عدد المنازل المعروضة للبيع في الولايات المتحدة،  عام 2007  حوالي 2.2 مليون مسكن اي 7.5% من مجموع المساكن في اميركا.

ادى هذا العجز عن السداد الى انخفاض اسعار العقارات واسهم الشركات العقارية والبنوك، ما اجبر هؤلاء على محاولة بيع "الاصول" في البورصات. لكن ليس هناك من مشترين. فقد انخفضت قيمة الديون وانخفضت قيمة العقارات وتوقف او قل الطلب على العقارات مع زيادة المعروض منها، فزادت ازمة السيولة في البنوك.

حاولت البنوك ان تقترض من بعضها البعض، لكن خوف البنوك التي تمتلك سيولة من عدم قدرة البنك المقترض على السداد ادى الى توقف عملية الاقتراض هذه فانهارات البنوك التي كانت تضارب في العقارات اساسا وقد وصل عدد المصارف التي اعلنت افلاسها حوالي 9 الاف مصرف.

اضف الى ذلك الفساد الذي كان معشعشا في بنى هذه المؤسسات والشركات الكبيرة، فقد كانت تستقطب موظفين، سياسيون سابقون او رجال اعمال وتمنحم رواتب ومكافآت خيالية. بحجة انهم يحققون ارباحا هائلة، وهؤلاء كانوا بدورهم يقومون بنفس اللعبة لزيادة ارباحهم وكل ذلك بعيدا عن رقابة الدولة التي انسحبت كليا من الاقتصاد وابقت على الادوات النقدية والمالية فقط من خلال البنك المركزي او الاحتياط الفيدرالي كما يطلق عليه في اميركا.

وقد حاول محافظ الفيدرالي الاميركي آلان غرينسبان خلال ولايته ان يوظف هذه السياسة النقدية "توسعا واكماشا" بطريقة انتقدت كثيرا، او اعتبرت في غير اوانها، ما ادى الى تفاقم الازمة.

المهم...

حاولت البنوك المركزية او الحكومات ضخ اموال في البنوك التجارية، لتوفير السيولة، وقد وصل حجم الاموال المضخوخة هذه، حوالي 12 تريليون دولار (12000000000000)، وكلها من اموال دافعي الضرائب. وقد خصصت خطة الرئيس الاميركية للانقاذ وحدها 750 مليار دولار.

على اي حال، فان البنوك المركزية هذه، او الحكومات، استخدمت اموال دافعي الضرائب لانقاذ بنوك خاصة، لذلك فقد عمدت الى "تأميم" او وضع اليد على بعض هذه المؤسسات، ما جعل البعض يتحدث عن عودة "ماركس" او عودة سياسات التأميم. لكن ما حصل هو امر اخر ليس بالضرورة "تأميم" اشتراكي، سأحاول توضحيه لاحقا....

زهقت الان ، سأعود في تدوينة اخرى لمتابعة الازمة بالتفصيل...

تعليقات

Comment Icon

يعطيك العافية استاذ محمد ..
ضليت استنى بالجزء الثالث من (فيما ليس عضويا) وانت تأخرت لحد ما خليت ابو يقظان يلعب براسي ويقنعي بوجهة نظره والمتمثلة بكون كل الي بصير مؤامرة امريكية قذرة....
الصراحة القصة كلها مش راكبة معي !

خالد السعود | 29/10/2008, 16:30 [ الرد ]

Comment Icon

سلامات يا صديقي
صعب تماما اني اخترع شي جديد يقنعك، كل ما حاولت ان افعله في مدوناتي هذه هو تقديم ملخص او عرض لكل ما قرأت عن الازمة. لكن بالطبع فان نظرية المؤامرة كانت موجودة بامكانك مثلا الرجوع لمقال "تافهة" في نظري كتبه موفق محادين بالعرب اليوم، حول الازمة وبرتوكولات حكماء صهيون... الله الشافي بس...
http://www.alarabalyawm.net/pages.php?articles_id=6057

محمد عمر | 29/10/2008, 16:38 [ الرد ]

Comment Icon

قرأت المقال(التافه) سابقا وما اخدت فيه وشفت الالاف التحليلات بس بالفعل استاذ محمد مش قادر اصل لنتيجة مقنعة 100% ، ما بعرف بتهيئلي انو بكرة بنقف على الحيطة وبنسمع الزيطة ..

خالد السعود | 29/10/2008, 17:14 [ الرد ]

Comment Icon

طيب وين دور الناس العاديين في تحليلاتك. خذ مثلآ الناس الي اشترت بيوت بأسعار تضاهي سعر السوق مره ونص، وخذ الناس الي إستعملو بطاقات ألأتمان مثل الفيزا كارد لأخر فلس مسموح به، وخذ الناس الذين كانت بيوتهم مدفوعه كاملآ ولكن عاودو بأخذ قروض جديده عن طريق رهن بيوتهم للبنوك، ومن ثم لاحقلآ خسرو هذه الفلوس في هبوط اسهم البورصه.خذ مثلآ الناس الذين خسرو جزءكبير من فلوس التقاعد وانا واحد منهم عند ما هوت قيمة اسهم بورصة فلوس او مدخرات التقاعد. خذ مثلآ الناس الذين خسرو وظائفهم واصبحو بين ليلة وضحاها بدون عمل. خذمثلآ الناس الذين عجزو عن دفع الدفعات الشهريه عن بيوتهم وشققهم ومن ثم قيام البنك بأعادة استملاكها وبيعها في المزاد العلني بنصف ثمنها.وكذلك ألأمر للسيارات.يعني الناس العاديين اكلو هوا اكثر من ما اكلت البنوك.

Hatem Abunimeh | 29/10/2008, 17:44 [ الرد ]

Comment Icon

اشكرك استاذ حاتم
هو طبعا كل المشكلة عن الناس العاديين لأنهم هم المقترضين بكل الاشكال سواء اللذين اقترضوا لشراء منازل او عقارات بتشجيع من اسعار الفائدة المنخفضة او من الاستخدام المفرط للـ" Plastic money" او بطاقات الائتمان وهي في النهاية قروض غير مضمونة من جانب وغير قابلة للسداد بفعل الاستهلاك المنفلت.اضف الى ذلك موضة الاثراء السريع والمضاربة في الاسهم وتوظيف الاموال وغيرها،والتي حاولت الاقتصاد العالمي الى مجرد "كازينو" كبير بعيد عن الانتاج السلعي الحقيقي الذي انتقل الى الدول الطرفية كالصين والهند وماليزيا وغيرها...
على اي حال الموضوع لم ينتهي بعد ولك كل الشكر على التوضيح..

محمد عمر | 30/10/2008, 07:33 [ الرد ]

Comment Icon

نعم استاذ محمد، تعليقك كان على الوجع حيث ان المشكله الرئيسه تكمن في تحويل ألأقتصاد العالمي الى كازينو يشبه كازينوهات لاس فيجاس ، وايضا ألأعتماد الكلي على المشتقات الورقيه الماليه الوهميه بدل من ألأنتاجيه الحقيقيه الفعليه. تحياتي،انا ايام الشباب كنت امز على عرق ابو سعدى اللبناني .

Hatem Abunimeh | 30/10/2008, 15:37 [ الرد ]

Comment Icon

اشكرك يا صديقي
بصحتك. ولو اني من مشحعي العرق البلدي...

محمد عمر | 31/10/2008, 10:32 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba