يوميا يحصل ليّ ما يستحق التدوين، وأنا افهم التدوين، في جانب منه، تسجيل يوميات، خاصة عندما تكون هذه اليوميات منطلق من الخاص للعام...
لكني، في أحيان كثيرة افقد كل رغبة في الكتابة، ليس لأن الكتابة فقدت سحرها، أو قدرتها على التأثير، فهذا أمر انتهت صلاحيته منذ زمن، ولا ابحث عن التغيير أو التأثير، أصلا...
كلما اجتاحتني رغبة في تدوين يومياتي، أو أموري الخاصة، يقول لي قريني:" يا ولد اي هاظ وقته، صلي ع النبي العدنان، مش وقتك"...
كيف يمكن ان أدون في إي موضوع، والبلد غارقة في جدل شبه مدمر عنوانه "الانقسام المجتمعي بين اردني وفلسطيني"،،،
حتى عندما أحاول الكتابة في هذا الشأن يوقفني قريني، او "رقيبي ذاتي" ويقول ليّ مرة اخرى:" أنت ناوي تصب الزيت ع النار، مش بكفينا اللي فينا"...
كيف ممكن نكتب لأجل المساهمة في فهم أعمق وأدق للمشكلة، او، نكتب بطريقة للمساهمة في حل المشكلة لا تعقيدها،،،
بصراحة :" غلبت وغلب حماري"، لأن النقاش في الموضوع خرج عن نطاق العقلانية، واغلبنا أسهم في ذلك، بما فيهم انا، لذلك مسكت نفسي عن الكتابة،،،
في أشياء غير عقلانية بتصير بالبلد، أو زي ما يقال:" إن أنجن ربعك عقلك ما بنفعك"، بس مين فينا براهن على انه العاقل والآخرين ليسوا كذلك، شخصيا أنا ما عدت فاهم نفسي،،،
يبدو ان "اللاعقلانية" صارت سمة شبه عامة، مش بس في جدل من هو الأردني؟ والهوية الوطنية، والوطن البديل، والوحدة الوطنية، والهويات الفرعية، والعنف المجتمعي، وقانون الانتخابات، والعلاقة الأردنية الفلسطينية، والدستور، والولاية العامة للحكومة، والأزمة الاقتصادية، والحركة الإسلامية، والإصلاح السياسي، والعمل الحزبي، والسياسة الخارجية، ومشكلة شح المياه، وحرية الإعلام،،،،الخ
أكثر ما يجعلني غير قادر على الفهم والاستيعاب، هو استمرار الجدل "العقيم" مع أن المراقب لهذا الحراك يلمس بوضوح ان ما يجمع الناس، خارج الحكم، أكثر مما يفرقهم،،
ومع كل ما يجمعهم، فأنهم عاجزون عن الالتقاء والحوار ووضع حلول، او تشكيل تيار عريض يضغط على "مطبخ القرار"،،،
على قدر ما خلقت حالة الجدل الأخيرة نوع من الاحتقان على قدر ما بلورت "تفاهمات مشتركة"،
لاحظت أن هناك تفاهمات على تحديد مسائل مهمة، وقد تم تحديدها، مثل:
أولا: هناك اتفاق على التحديات التي تواجه البلد، وهي نفس التحديات الست التي بلورها وهيب الشاعر في كتابه "الأردن إلى أين ... الهوية الوطنية والاستحقاقات المستقبلية"، الصادر قبل أعوام، وهي:
الهوية الوطنية،
بنية الحكم المؤسسية،
العلاقة الأردنية الفلسطينية،
النظام الاقتصادي والاجتماعي،
العلاقة الأردنية العربية،
الهوية الإسلامية والخطاب الهاشمي.
ثانيا: تمخضت النقاشات عن "تفاهمات" او "بلورت مفاهيم مشتركة" مثل:
- من هو الأردني، هناك إجماع على أن الأردني هو كل من يحمل الرقم الوطني، والجنسية، حتى عام 1988 ، هذا في الحد الأدنى، وحتى في حال "تصويب أوضاع" من يحمل الرقم الوطني بعد هذا العام هناك تفاهم أيضا على الإبقاء على كامل الحقوق المدنية لهم،،
- هناك إجماع على تعريف الانتماء، وهو القبول بثوابت الدولة الأردنية ممثلة بالدستور فقط، وطبعا القانون، بغض النظر عن مطالبة البعض بتعديل الدستور،
- هناك إجماع على الاعتراف بالمكون الفلسطيني للهوية، وهذا لا يعني، بل يجب ان لا تتخلى الدولة عن حقوق مواطنيها من اصل فلسطيني في العودة والتعويض معا، وعندما يتم ذلك، فان الأردني سيكون من اختار الأردن وطنا نهائياً، وهذا الوضع لا يلغي ولا يشكك بالانتماء، طالما تمسك المواطن بغض النظر عن أصله بدستور البلد الذي حدد ثوابته الوطنية،،،
- هناك نوع من التفاهم على تحديد الهوية الأردنية، والاعتراف بمكوناتها، هذا التفاهم لا يعني إننا سنخرج من أزمة الهوية، فكل العالم يعاني هذه الأزمة حتى في اوروبا والولايات المتحدة، لكننا اقتربنا من تحديد مفهوم مشترك للهوية، يصلح أرضية حوار.
- هناك إجماع على الموقف من إسرائيل كعدو بحد ذاتها، وعلى رفض حل القضية الفلسطينية على حساب الأردن وفلسطين معا، وإجماع على بحث موضوع الوحدة بعد قيام الدولة الفلسطينية،
- وهناك شبة اتفاق على أن لا إيران ولا سوريا ولا حزب الله وحماس تشكل تهديدا للأردن، بل هي قوى مطلوب التعامل معها في ضوء انسداد آفاق التسوية بوجود اليمين الإسرائيلي المتطرف في الحكم، ومأزق دول الاعتدال.
- وهناك شبه إجماع على دعم "المقاومة الفلسطينية واللبنانية"،،،
- وهناك شبه إجماع على إعادة النظر في دور الأردن في محاربة الإرهاب، وأساسا وقف تدريب قوات السلطة، إعادة النظر في الدور العسكري للبلد في أفغانستان، لا بل هناك تفاهم على إعادة النظر في مجمل "العقيدة العسكرية" للجيش بعد أن صار واضحا ان اتفاقية وادي عربة صارت من الماضي، وان إسرائيل لم تعد تضع اي اعتبار لهذه الاتفاقية،،،
- هناك إجماع على دعم الشعب الفلسطيني، وعلى تفعيل دور الأردن في عملية السلام، والتمسك بحقوقه وحقوق مواطنيه، وأولها حق العودة، وعلى البحث عن خيارات اخرى، وتنويع علاقات البلد مع الجانب الفلسطيني وعدم حصره بالسلطة فقط،،،
- عندنا إجماع على الإصلاح السياسي، لا بل على ان الإصلاح يبدأ بقانون انتخاب عصري، يلغي الصوت الواحد، لكن يأخذ بعين الاعتبار أيضا المآل النهائي للقضية الفلسطينية،، وطالما صار اتفاق على تعريف الأردني فقد سقطت كل مقولات المحاصصة والتوزيع الديمغرافي وغيرها،،،
- وبالطبع صار هناك اتفاق على الولاية العامة للحكومة، وعلى الالتزام بتطبيق الدستور نصا وروحا، وإبقاء مؤسسة العرش رأسا للدولة وليس للسلطات الثلاث.
- واتفاق على الإصلاح الاقتصادي، واهم ما فيه محاربة الفساد والرشوة والمحسوبية، وتفيعل الدور الرقابي والتشريعي لمجلس الأمة، وإقرار سياسات اقتصادية تأخذ بعين الاعتبار إعادة بناء الطبقة الوسطى، والتوازن في تنمية المناطق، وتأمين شبكة حماية،،،الخ
من الممكن أن امضي أكثر في تعداد كل ما تمخض عنه الجدل الدائر من تفاهمات،،الصحيح إنني لم اعد أجد فوارق مهمة بين كل من خاض في هذا الجدل، حتى ناهض حتر، في مقالاته الثلاث الأخيرة، التوضيحية، سنة الاصلاح السياسي، دسترة فك الارتباط، تجديد الحركة الوطنية ومشكلة المواطنة، لم يعد ذلك الكاتب "المفرق"، وهو وضع حلولاً تستحق النقاش..الصحيح،،ما عاد افهم استمرار حالة الجدل هذه بدون أن تؤدي إلى بلورة شيء ما، والصحيح،،ان فكرة "قل كلمتك وامشي"، لم تعد تجدي نفعا الآن، بل إن الاستمرار فيها صار ضربا من "اللاعقلانية"،،،،مش عارف،،،أنا كتبت هذه التدوينة بسرعة،، وهذا اللي طلعت فيه من متابعتي للجدل، يمكن أكون فهمت يمكن يكون فهمي قاصر،،
انا أرى انك فمهت فعلا، طبعا حسب فهمي للفهم:)) انا اعتقد ان حسم قصة الثنائية الاردنية الفلسطينية في الاردن هو اكبر افادة من النقاش الدائر و اعتقد انها حسمت بحمد الله بين القوى المختلفة و الاقلام ، بقي ان تجد طريقها لباقي مكونات الشعب ،
الان بتصوري و عبر متابعة المقالات و التحليلات، اصبح لدى الكل قناعة ان الاردنيين من كافة الاصول اردنيون، يجب ان يشاركوا في صناعة حياتهم و قرارهم بلا تنفيع و لا محاصصة و لا تخوفات ديمغرافية اخرتنا قرنا من الزمن ، و يجب اعادة صفة العدو لاسرائيل.
لكن حسب تصوري، هناك رأي متطرف الان اعتقد انه لا يرضي لا الشرق اردنيين و لا الاردنيين من اصل فلسطيني و لا الاردنيين كافة. هذا الرأي يمكن تتبع مصادره بدقة لتحديد من يثير الازمات في الشارع،،
يتلخص هذا الرأي بالقول بأن الضفة الغربية مواطنوها اردنيون، و عليه لا يجوز سحب جنسياتهم كما لا يجوز فك الارتباط معهم، بل ان كان بالامكان لما لا يعاد الارتباط مع الضفة مرة اخرى. يمكن متابعة مقالة تناقلتها بعض المواقع و المدونات لعبد الستار قاسم و هو بروفيسور فلسطيني . و يمكن ملاحظة رأي حتى توجان فيصل في الموضوع ربما في مقالتها المنشورة الان على الجزيرة نت.
مشكلة هذا الراي، انه ايديولجي و ليس سياسي، و هو يستند على افكار قومية، كلنا نؤمن بها لكن دون ان يحجب ايماننا بها بعض الحقائق و يجعلنا نسير نحو الجحيم عبر طريق محفوف بنوايا قومية حسنة.
الان في ظل الادارة الغير ديمقراطية للبلاد، ليس هناك ثقة في موقف السلطة من عمليات التسريب الناعم لمن يرغب من فلسطيني الضفة باللجوء للاردن او لمن يجبر على ذلك ( و المشكلة ليست في جوء هؤلاء فهم اشقاء ) المشكلة هي في احتمال السعي لتجنيسهم و تذويبهم افراغ الضفة بالمحصلة، و المشكلة الاكبر هي ان كان للسلطة يد في ذلك!!! .
ليس هناك ثقة. و الان اسرائيل تريد فعليا و تعمل بما استطاعت على افشال حل الدولتين و اقرار قوانين للتهجير، و الان هناك فعليا انباء عن عمليات تجنيس منذ 1994 ، و رغبة لدى مراكز نفوذ سياسي مرتبطة بالمشروع الاميركي تريد فعليا ربط الضفة في الاردن تمهيدا لربط سكانها بشرق النهر و ربما ترحليهم ضمن سيناريو طويل ..
البديل، هو تنظيم المواطنة في الاردن كما بات يجمع معظم من يتصدر النقاش بحمد الله ، كل الاردنيين الحاملين للرقم الوطني قبل 88 و كانوا خارج الضفة اردنيون، يجب اعطاءهم الحق الديمقراطية و الحكم الرشيد، و يجب اعادة الاعتبار لقناعاتهم التي صودرت باعتبار اسرائيل عدوة و دعم المقاومات العربية و دعم صمود الشعب في الضفة بالسياسة و المال و حتى الحرب الشعبية كما قال العسكر مثلا..
اعتقد ان هذا الراي الخلافي الذي اشرت له، ليس منتشرا و ربما سيهزء البعض بي لانني اشرت له، لكنني اتصور انه سينمو بالتاكيد ان لم يقف مواطنو هذا البلد كلا مكتملا من كافة الاصول للوصول الى بلد حر ديمقراطي، يجب ان يجمعو على رأي واحد، ليفوتوا الفرصة على تلك الاراء التي تجد متنفسا في ظل حالة التشرذم بين كافة القوى و الاقلام في الاردن .
من الشوبك | 21/05/2010, 16:58 [ الرد ]