صقيعي هذا المساء، وجليدية كلماتك مثل هواء عمّان الليلة، لا يحمل مطرا. هواء بارد وجاف يذرو المدينة بالغبار كما تُذريّن الذكريات.
تقول ليّ "ميسو" الآن، وانا أحاول ان اكتب مدونة:" بابا اكتب عني مدونة، اكتب أي شيء، اخترعلك تدوينة يا زلمة، اكتب كيف بتصرف بالبيت".
فعلا طلب صعب...
لكني سوف اغير موضوع التدوينة وان كنت سوف اترك عنوانها ومقدمتها...
منذ أيام أنام عند "ميسو" و "ريمي" لأن أمهن على سفر. أعود الى البيت كل مساء باكرا. اجلس معهن. نحاول الحديث.
نتبادل بضع كلمات وأسئلة عن الحال وكيف مضى اليوم وحسب ثم ينقطع التواصل.
كنا أول أمس نشاهد برنامجا يقدمه الممثل السوري "أيمن زيدان" و ابنه على قناة " أبو ظبي"، وقد فهمت ان البرنامج يجمع الآباء بالأبناء. وتقوم فكرته على مدى معرفة هؤلاء بعضهم بعضا.
عندما دخلت الجامعة وأمضيت السنة الأولى فيها سألني والديّ على حين غرة:" باي صف صرت".
استغربت سؤال والديّ فقد كان مجرد نجاح الطالب في الثانوية العامة فرحا يقام له عرسا قد يستمر أياما فكيف لو كان هذا النجاح يؤدي الى القبول في "الجامعة الأردنية" آنذاك، وبمنحة تفوق.
كان والديّ، رحمه الله، مجرد ظل في البيت، لا وقت لديه لمعرفة تفاصيلنا، يخرج في الصباح الباكر الى عمله ولا يعود حتى مغيب الشمس.
لو سألت اليوم، كما يحصل في برنامج أيمن زيدان، عن مدى معرفتي ببناتي، ومدى معرفتي بأحوالهن وأفكارهن وهمومهن، ان وجدت. ترى الى أي مدى ممكن ان انجح.
يحلو ليّ كأب ان اعتقد إنني اعرف كل شيء أساسي عنهن تقريبا. ويحلو ليّ ان اعتقد أيضا ان طبيعة علاقتي بهن مدت جسور ثقة معهن، وخاصة مع "ريمي" الكبرى التي اعتقد أنها لا تخفي، او أنها ليست مضطرة لان تخفي شيئا بما في ذلك علاقاتها العاطفية.
لكني اشعر في مرات كثيرة أنني على درجة ما من اللامبالاة، او لا أبالي، كثيرا في معرفة التفاصيل. فقد اعرف شيئا لكني لست ممن يدققون في التفاصيل.
هل صحيح اننا جميعا لدينا غريزة للأبوة او للأمومة؟ وهل لو كان هذا صحيحا، فهل يمكن ان نكون جميعا قادرين على ان نكون أباء او أمهات "صالحين" او "رجل عائلة"، وقبل كل ذلك هل صحيح إننا كلنا، كل الأفراد، قادرين ان نشارك الآخرين حيواتهم، ونتنازل عن جزء كبير من حريتنا، او أليس فينا من فيّه طبع "الوحدة" بما قد لا ينفع معه "التطبع"؟
عندما تزوجت في عمر مبكر جدا. لم تكن تشغلني أسئلة كهذا. كان كل شيء بالنسبة ليّ يتعلق بـ"الحب"، ربما مثل الكثيرين. وعندما قررنا الإنجاب، او بمعنى آخر لم يكن قررا بل جاء هكذا تلقائيا لأن كل زوجين يجب وبالضرورة ان ينجبا أطفالا.
قطعت مشوار طويل...
"ريمي" تخرجت في الجامعة وهي الآن تعمل وتعيل نفسها وأصبحت لها حياتها الخاصة. أصدقائها ومعارفها وهمومها وغرفتها التي لا ادخلها بدون استئذان.
و"ميسو" الآن في الصف السابع، أنسى أحيانا كثيرة في أي صف هي. وعندما أسألها تضحك مليء شدقيها، وتقول :" شوفي يا ريم بابا بضل ينسى صف صرت..".
"خلقنا كيفما اتفق. وانتشرنا كالنمال على الحصير..."، محمود درويش...
خلقت هكذا كيفما اتفق، كما يقول محمود درويش. كنا تسع أشقاء. لم يكن والدنا لديه الوقت لتربيتنا، لم يكن لديه الوقت ولا التعليم الكافي ليجلس كل مساء يراجع معنا درسنا اليومي. كان أحيانا يغلق باب البيت الخارجي ناسيا ان احدنا لا يزال في الخارج. فتصيح عليه امي او احد أشقائي قائلا له:" لا تسكر الباب لسه محمد برّة..".
"لمَ لم تقل ليّ مرة يا ابي يا والديّ...، محمود درويش
لم يكن لدى والدي وقتا للكلام العاطفي، لا اذكر انه قال ليّ مرة : يا أبي، فكيف كان ممكنا ان يقول لاحدنا:" يابا بحبك.."، لم يكن يظهر عاطفته لنا إلا في مرات نادرة كالمرض او الغربة.
اعتقد ان المسألة لم تكن تتعلق بالفقر وحده، ولا بقلة الوقت. ربما هي "ثقافة" او عادة "فلاحين" في القسوة على الأبناء. في "عيب" ان يظهر الأب عاطفته للأبناء.
لا اعرف ان كنت انا قد نجحت فيما تسميه الناس "تربية الأولاد"...؟
اعتقد ان والديّ أورثني قلة الاعتناء بالتفاصيل. فيما انقلبت قسوة أمي حنانا زائدا ودللا مفرطا وخوفا وحساسية كبيرة تجاه تعرض "ميسو" او "ريمي" لأي اذى حتى لو جاء من أمهن التي لا تجد أي حساسية في ممارسة نوع من "الشّدة" معهن. فيما أفرطت انا في "إفسادهن".
لكن لا اعرف ما إذا كان هذا "التدليل" قد أثمر نتيجة طيبة معهن. ربما، فانا اشعر ان "ميسو" و "ريمي" أكثر مني توازنا نفسيا وعاطفيا. وان كانت "ميسو" صاحبة مزاج حاد، فهذا لأنها " آخر العنقود" وقد تتخلى عن هذا المزاج حين تكبر قليلا فالأبناء قد يفاجئونا عندما يكبرون، وهذا ما حصل مع "ريمي" التي كنت اعتقد حتى وقت قريب انها لن تكون قادرة على تحمل مسؤولية أي شيء لكنها فاجأتني تماما.
يبدو انني صرت مثل الكثير من الاباء الذين "يتباهون" بتربيتهم لابنائهم. يمكن. مع ذلك لا زلت حائرا في الرد على سؤال التربية هذا. يمكن لأنني تعودت على سماع كلمات من نوع :" والله ياما حابك تطلع احسن مني واحسن من كل الناس"، وما بعرف اذا في ناس "احسن" يعني " ستاندرد" يمكن الانسان يقيس عليهم بالمسطرة حتى يربي ابنائه على الكتالوج...
كنت افكر، او كان مقدرا لهذه التدوينة ان تكتب عن شيء اخر، لكن تدخل "ميسو" حرفها عن موضوعها، ومع ذلك بقيت " emotional " نوعا ما، وان كانت مرتبكة تماما لان موضوعها لم يكن هو ما يشغلني الان...
كلامك عن تقصير الاب في إشباع أبنائه بالعاطفةالابوية المشبوبة يحكي قصتي شبرا بشبر وذراعا بذراع...
أعاني من نقص فظيع في هذا الجانب..
وانا مثلك يا صديقي "سو إيموسيونل"..
شكرا
عبد اللطيف | 29/01/2009, 21:01
you r so proud of us and proud of you ur self arent you?
each time u wrote smth about us i like this relation more,nasee7a:la troo7 3brnamj ayman zeidan mshan ma yseer m3k sadmee mn qlleet alm3lomat
:p
reemi | 29/01/2009, 21:49
شكرا ميسو انك غيرت رأيه وخليتينا نقرأ هالتدوينة الحلوة عن مسألة علاقة الاهل بابنائهم.
بس ارجع فكر بالموضوع اللي كنت بدك تكتب عنه، لانه من عنوانها ومقدمتها بتشجع على القراءة، مثل باقي المدونات طبعا..
عروبة | 29/01/2009, 22:04
لأول مرة ألاحظ أنك حساس تجاه قيمة الأبوة، صحيح انه "اللي ما بيعرفك بيجهلك".
أنا أحييك على هذا الإحساس الصادق والمرهف.
remi | 29/01/2009, 22:42
اعتقد بأن أصدق مشاعر نحسها نحن الأبناء هي محبة الوالدين لنا و لكن ما يثبت هذه المحبة هو الاهتمام و معرفة التفاصيل , فلو احببت شخصا على سبيل المثال تكون مهتما بمعرفة ادق التفاصيل عنه و بشتى الوسائل و سيكون لهذا الهدف وقتا في جدول يومك بل و ربما سيكون هاجسك الأكبر ..
لا نريد نحن الابناء بان نكون الهاجس الأكبر و لكن التواصل المستمر بيننا و بين والدينا اجتماعيا و عاطفيا هو حاجة ماسه باعتقادي لا نستطيع الاستغناء عنها .. فمثلا انا الان قد تخرجت من الجامعة ولي أب رائع يهتم بمعرفة كل شيء عني و عن اخوتي يشعر بي بطريقة غريبة حتى امي لا تستطيع ان تنافسه فيها .. لفترة من الوقت و خاصة ايام الدراسة كنت اشعر بان الاهتمام الزائد يخنقني ولكني الان لا ارى سعادتي الا بالأوقات التي اشاركه فيها تفاصيل حياتي ...
*اعتذر عن الاطالة
marwa | 30/01/2009, 11:52
اهلين مروى .. بيجوز الي عم تحكيه صح .. بس هاد فيو يطبق فقط اذا كنتي عايشه هيك من اول .. حاليا يمكن اذا بابا بيحاول يهتم بهالتفاصيل انا ما اتحملوا او اختي مثلا لانو ببساطه ما تعودنا حدا يدخل بتفاصيل حياتنا .. بيجوز اذا حب يلعب هالدور ما يزبط عليه او حتى اكيد ما رح يزبط..لانو ما عاد ينفع بنوب
:)
reemi | 30/01/2009, 15:57
ماأصعب الحياة يا جماعة في بيت مافي رحمة وعاطفة بتكون لو عايش بصحراء احسن
متابعة | 01/02/2009, 14:10
صديقي محمد عمر... مسا الخير
كلما كتبت عن بناتك وخاصة ريمي أفرط من الضحك اذ انني لا استطيع تخيل ريمي سوى الطفلة الصغيرة التي كانت تلعب في مكاتب نداء الوطن اما ميسو فلم يحصل لي الشرف بمعرفتها
سلامي لك ولهيفا وللعائلة ..
عبد الرحمن الخطيب// قطر | 30/01/2009, 11:58
ما بتذكر من نداء الوطن .. غير كياس الشوكولا والشيبس الي كانت تنهال عليي كل ما روح هنيك :) ...
reemi | 30/01/2009, 15:59
شكرا لكم جميعا..
مروة، هذه وجهة نظرك ولو اني غير مقتنع بها تماما.
صديقي عبدالرحمن سلامات، العيال كبرت ونحنا ايضا..
محمد عمر | 30/01/2009, 15:31
هههههه بابا حكتلك اكتب تدوينة عني مش عن ال emotional وعن تربية الأبناء على كل حال مرسي كتيرررررر بس على فكرة بقدرش استغني عن الاب توب تبعي الجديد لأنو عيوني راحو من النت بوك تبعك وانجلطت من لابتوب ريمي ...!
مرسي.......!!!
ميسو | 29/01/2009, 20:55 [ الرد ]