لو أن الأمور تمت على خير ما يرام فان الطبخة كان مقدرا لها ان تكون جاهزة للأكل، لكن ما حصل عكس ذلك...
استعرت طنجرة تيفال أصلية، صناعة فرنسية، من عند جارتي، لأنني دعوت صديقتي على طبخة ملوخية ورق باللحمة المفرومة على الطريقة الشامية...
قبل أن استعير الطنجرة كنت اشتريت كيلو ملوخية ورق مقطعة من المول القريب من بيتي.
غسلت الأوراق بالماء البارد في المجلى ونشرتها تحت الشباك لتجف على ورق جريدة عربية يومية لم يعد لي حاجة بها بعد أن قرأت فيها عدة مقالات تحذر من خطر الشيعة وإيران على المنطقة السنية.
الصحيح، أخافتني المقالات عن المد الشيعي كثيراً، فقد خشيت على أكلتي المفضلة، الملوخية، وخشيت أن يفعل الشيعة ما فعل الفاطميون في مصر عندما منعوا أهلها من أكل الملوخية لأن معاوية بن أبي سفيان كان مولعا كمثل ولعي بها.
وأكثر ما أخافني أن يتحد الشيعة مع الدروز، وهو أمر غير مستبعد لأسباب سياسية وعقائدية، في حالة تمددوا في المنطقة السنية، ذلك أن الدروز اشد كرها للملوخية التي زحلق بها العجل المقدس، بحسبهم.
وقد دفعتني مخاوفي هذه إلى أن أتمنى أن يستعمرنا ملوك الهكسوس الرعاة ليجبرونا على أكل الملوخية كما فعلوا بأهل مصر، مرة اخرى، اعتقادا منهم انها نبتة سامة أو مضرة بالصحة ليكتشف المصريون لذة طعمها ويولعون بها ويعتبرونها احدى أكلات مطبخهم التقليدي وينقلوها إلى دول عربية اخرى ليحتفل بطهيها التوانسة في رأس السنة الهجرية تبركا بلونها الأخضر.
كان المفترض أن ابدأ بعملية حوس أوراق الملوخية بقليل من الزيت في الطنجرة التيفال الأصلية، لكن سرعان ما تبين ليّ أن كمية الملوخية اكبر كثيرا من أن تسعها الطنجرة، الأمر الذي أوقعني في ورطة حقيقية. إذ أن الملوخية بدأت تتناثر على جوانب الطنجرة وتسقط في ارض المطبخ الذي كاد يتحول إلى ما يشبه ملعب غولف أو غابة خريفية.
ومع ذلك فقد مارست تكتيكا ذكيا مع الملوخية، إذ تركتها لحظات لتمتص حرارة الغاز ثم بدأت بتقليب أوراق الملوخية بمغرفة خشبية كي لا اخدش قعر طنجرة جارتي.
مع التقليب المستمر وحرارة النيران بدأت أوراق الملوخية تهمد شيئا فشيئا حتى تحولت إلى كتلة هلامية صغيرة في قعر الطنجرة الأصلية...
أحضرت صحن الشوربة الذي كنت أعددته بغلي اللحمة المفرومة بالماء والبصل ومكعب الدجاج "ماجي" وسكبته رويدا رويدا من خلال مصفاة لتنقية الشوربة من البهارات وورق القرفة وحب الهال وحب الفلقل الأسود والبصل المقطع واللومي، باختصار من كل انواع البهار، فوق الكتلة الهلامية الخضراء فبدأت تنتفش وتتخلى عن تماسكها الهلامي فنثرت فوقها اللحمة المفرومة وخلطت المقادير بعضها ببعض.
ما علينا...
بحثت عن غطاء الطنجرة الاصلية لكني تذكرت ان جارتي أعارتني إياها بدون غطاء وإنني خجلت من طلب الغطاء. وقد استعملت صحنا كبيرا كغطاء بديل لكنه لم يكن في أي حال مناسبا للطنجرة ففاحت رائحة الطبيخ في أرجاء الشقة الصغيرة وقد زادتها رائحة تقلاية الثوم التي بدأت بقليها على العين الثانية من الغاز ابو عينتين قبل أن اطش التقلاية على الملوخية.
كدت افرغ من طبخ الملوخية إلا أن هاتفي الجوال بدأ بالرن بأغنية زياد رحباني:" صار يدق التيلفون واحد طالب أفلاطون، ومفكرني أفلاطون، نيالن والله نيالن، برمو الدنيا فتلوا الكون، وأنا علقان بنفس الغرفة مفكر حالي أفلاطون"...
كانت هي على الجانب المقابل تتحدث وتتحدث وتبكي وتشكو وتنوح وتجوح، وأنا استمع وأصغي حتى نسيت نفسي ونسيت الملوخية ع النار، معتقدا نفسي أفلاطون قادر على خلق حياة فاضلة لها وحلحلة كل مشاكلها وهكذا حتى هدأت ومن ثم اعتذرت عن القدوم واكل الملوخية التي احترقت وشاطت وطلعت ريحتها...
الكويس انو طنجرة افلاطون مش بريستو ولا الغطا مناسب ومحكم الاغلاق...!
مش لما تعزميني انتي قبل على طبخة الكرشات الي وعديتني فيها من سنة وبعدني في الانتظار...
دمتي بخير يا عبير
محمد عمر | 20/05/2009, 16:35
آه .. هيك يعني وحدة بوحدة !
بس معلومة ع السريع ، الكرشات لا تؤكل صيفا ، بس الملوخية هذا وقتها .. والشاطر يفهم .
عبير هشام ابو طوق | 20/05/2009, 16:57
كرشات يا عبير؟ لازم يسحبوا منك جائزة الإعلام البيئي طالما لديك هذا المزاج الافتراسي في الطعام.
باتر وردم | 20/05/2009, 22:22
عجبني وصفك "المزاج الافتراسي في الطعام" ..
ومع هيك ، وزني لا يزيد على الخمسين كيلو غرام فقط لا غير !
عبير هشام ابو طوق | 21/05/2009, 12:22
سلام
عند جد اليوم البوست بيفتح المنافس، ملوخية و بعدين كرشات!!
بس انا بعرف هدول الطبختين بنفعوا بكل الاوقات
محمد | 20/05/2009, 18:39
يسعد أوقاتكم ..
أولا بيعوض الله على الطبخة و على الـ Date ..
ثانيا يا سيد أبو عمر نازل إنت و الأخت عبير في "وصلة تراشق" ، و بحسب التعليقات شايف طناجر الملوخية و الكرشات تتطاير بين الجانبين ، السؤال : ما بدكم "قوات فصل" !
يعني بالعربي الفصيح : إحنا وين موقعنا من الإعراب ؟ ما نايبنا إلا طرطشة الملوخية و الكرشات !
دمت بخير ..
سؤال : رجعت الطنجرة لجارتك ؟
فـاخر النحـال | 21/05/2009, 09:41
فعلا يا صديقي انك مثقف من قعر التاريخ..
شو قصة العجل المقدس وملوخية الدروز
وملوخية الهكسوس..
(انت بتجيب الكلام الثري هذا من مصادر فعلا قلما يصل لها الا مثقف (التفاصيل!)
من طراز خيري منصور..!
محمد العمري | 21/05/2009, 14:48
تعقيب :
لو سمحت لي أبو عمر ، أعتقد أن "الجفاء" بين طائفة الموحدين (الدروز) و أكلة الملوخية - حتى لا أستخدم لفظة التحريم - غير موجود على أرض الواقع ، حيث صودف أن تقاسمت اللقمة مع أصدقاء من الطائفة الدرزية و كانت الملوخية (و بخاصة الشامية) حاضرة ، ربما كونهم من (عامة) الطائفة و ليسوا من العُقـل (الفئة المستنيرة - الأكثر إلتزاما) و فيما بعد تبين لي أن تجفيف الملوخية لإستعمالها في غير موسمها حاضرة في عادات قرى السويداء و جبل الدروز و الجليل و جبل لبنان، و بين عموم سكان و أهالي القرى من عوام و عُـقـل ...
لا أجد تفسيرا لكلا الحالتين (الإمتناع ) و (التناول) ..
فـاخـر النـحـال | 21/05/2009, 18:18
اشكرك يا صديقي محمد على هذا التعليق.
محمد عمر | 25/05/2009, 08:14
مرحبا استاذ محمد. اليوم بس سنحتلي الفرصة اعلق على المقال لاني كنت مشغولة طول الاسبوع الماضي وانا اقرأ مدوناتك للشهر الماضي بحكم كنت مجازة وما عندي انترنت في البيت. ع كل حال المقالة حلوة كتير يعني ما شفت واحد زيك قادر على ربط الاكل بالتاريخ بهيك اسلوب عن جد روعة الصياغة. وبالنسبة للدروز صح ما بياكلو الملوخية بس العامة منهم مسموح كمان مش كل درزي ملتزم بالتعليمات زي المسلم اذا شرب او اكل لحم الخنزير .يا سيدي الجايات اكثر من الرايحات .تحياتي
اخت متابعة | 23/05/2009, 09:28
سلامات...
زمان عن تعليقاتك.
اشكرك
محمد عمر | 23/05/2009, 12:19
شكرا الك.بس حبيت تعرف هالمعلومة عن جد انا اعشق مدونتك ويوميا لازم اناقش اختي عن مواضيع مدوناتك التي تطرحها وهي تعشق طريقتك في الكتابة كذلك.
تحياتي
اخت متابعة | 23/05/2009, 14:27
بسعدني جدا ان يكون لمدونتي كقراء مثلك ومثل اختك.
اشكرك رفعتي معنوياتي
محمد عمر | 25/05/2009, 08:12
مش كنت عملت منسف وريحت حالك؟؟
عروبة | 23/05/2009, 21:27
لما تزويني بعملك منسف اصلو الطبخ حسب الطلب يا عزيزتي(:
محمد عمر | 24/05/2009, 11:24
أها هيك يعني؟؟ على طوووووول
بس مو تخرب الطبخة
عروبة | 24/05/2009, 20:15
بتشرفي بس هاتي طنجرة معك علشان صرت اخجل من جارتي بعد ما حرقت لها الطنجرة(:
محمد عمر | 25/05/2009, 08:06
ع التواصي يعني!
عبير هشام ابو طوق | 25/05/2009, 07:28
طبعا تواصي ، بس مش كرشات يا عبير(:
محمد عمر | 25/05/2009, 08:05
ييييييييه علينا وعلى سيرة الكرشات
انت على رأي ستي "ما بنبل بتمك فولة"!
تنويه : طبعا ما ورد اعلاه للدعابة فقط .
عبير هشام ابو طوق | 25/05/2009, 09:57
من وصفك لطريقة طبخ الملوخية اتضح لي انك طباخ محترف ، لكن ..
لن اقتنع 100 % بصحة ما تقول الا اذا عزمتني على طبخة ملوخية ورق باللحمة المفرومة على الطريقة الشامية .. مش بيقولوا " التجربة أكبر برهان "
وبالنسبة للملوخية التي احترقت وشاطت وطلعت ريحتها .. يا سيدي مش مشكلة تعيش وتوكل غيرها : - )
عبير هشام ابو طوق | 20/05/2009, 16:31 [ الرد ]