في العادة...!
22 ايار, 2009

في العادة يتسرب ضوء أول النهار إلى حجرة نومي من خلال شقوق الاباجور، الذي احرص على ألا احكم إغلاقه طالما أنام وحيدا...

وهكذا توقظني إشعاعات الشمس الأولى المتسربة من خلل الاباجور. ذلك أن حجرة نومي شرقية. ولا أنسى أيضا صوت الغراب الذي اتخذ لنفسه عشا على أعلى شجرة السرو القريبة من شباكي، ويصر كل صباح أن ينعق بصوته الخشن.

وفي العادة، فان ثاني فعل ارتكبه عندما استيقظ صباحا، وبعد إشعال سيجارة، هو رفع اباجور النافذة العريضة للغرفة حتى آخره.

يدخل ضوء الشمس الساطع ويغمر الغرفة ومنشر الغسيل، الأحمر والأبيض، تركي الصنع، الموجود دائما وأبدا بجانب الشباك وكأنه قطعة ثابتة وأصلية من أثاث الحجرة.

وفي الأصل، فان شقتي صغيرة جدا، عبارة عن حجرتين، حجرتين فقط، واحدة يُطلِق عليها زواري، القلائل طبعا، صالون، والثانية غرفة نوم.

وبمناسبة الحديث عن شقتي الصغيرة، التي يُطلَق عليها صفة "ستوديو"، فلقد اكتريتها بمائتي دينار شهريا ادفعها بشكل سنوي، وقد اقترب موعد استحقاق الدفع.

أثناء وجودي في "الحي الصيني" في "شيكاغو" في الولايات المتحدة الأميركية، اشتريت اباجورات صينية حمراء ووضعتها على المصباحين المتدليين من سقف غرفة الصالون، فصار الصالون حين أضيء المصابيح ليلا يتحول إلى ما يشبه الحانة باضويتها الحمراء الخافتة.

في الحقيقة، لم يكن قصدي عندما اشتريت الاباجورات الصينية الحمراء أن أحول غرفة الصالون إلى ما يشبه الحانة، كما تعتقد صديقتي "سعدية الذكية". فهذا غير صحيح إطلاقاً.

ولأنني حساس جدا للاتهامات، وقليل الثقة في النفس، فقد رحت اشرح لـ"سعدية الذكية" سبب اختياري اللون الأحمر في الإضاءة.

إذ كان الهدف من شراء هذه الاباجورات أن تكون مقدمة لعملية تغيير شاملة لأثاث الصالون المتواضع وغير المتناسق، سأقوم بها لاحقا، وعندما يتوفر لديّ المال الكافي، إلى النمط الصيني. إذ إنني كنت، ولا زلت، مغرما بطغيان اللون الأحمر على حياة الصينيين.

وقد عرفت أن اللون الأحمر في الثقافة الصينية، يحمل دلائل ورموزا، كالتي يحملها هذا اللون في ثقافتنا، وفي ثقافات مشرقية اخرى.

في الحقيقة فان اللون الأحمر، هو لون النار، وهو يعني الحب والسعادة، والحظ الحسن، والشجاعة والصيف، والدفء والثروة والخصوبة، والتضحية والشرف والإخلاص والنذير والعاطفة المشبوبة. وهو عند الهنود لون ملابس ربة الخصب والجمال والازدهار "لاكشمي" أو "شيري"...الخ

والاهم أن اللون الأحمر مرتبط بالإثارة الجنسية والزواج عند شعوب كثيرة، وتحديدا عند اليابانيين، وعادة ما تلبس المرأة اليابانية المتزوجة أو المرتبطة، أو فتيات "الغيشا"، الجميلات النائمات الصغيرات السن، الـ"الكميونو" الأحمر. وتضع المرأة الهندية نقطة حمراء على جبينها دلالة على ارتباطها وخصبها.

وطالما تحدثت عن "فتيات الغيشا"، اللواتي كتب عنهن الكثير، واخرج فيهن العام الماضي فيلما بعنوان "مذكرات الغيشا"، عن رواية الأميركي آرثر غولدن، وقد أثار الفيلم ومن قبله الرواية استياء اليابانيين، الذين اعتبروا فيهما إساءة لثقافتهم.

فان أجمل ما قرأت كان رواية الياباني "ياسوناري كواباتاالجميلات النائمات، التي تمنى روائي الواقعية السحرية الكولومبي غابريل غارسيا ماركيز كتابة رواية مماثلة لها، وقد فعل في قصة قصيرة عندما تحدث عن الجميلة التي كانت نائمة بجانبه في الطائرة، كما أعاد نفس الثيمة في روايته الأخيرة  "ذاكرة عاهراتي الصغيرات"، إذ أن كواباتا في روايته يتحدث عن شيخ طاعن في السن يفقد القدرة على الاستمتاع بالجنس فيكتفي بالذهاب إلى فتيات "الغيشا" الصغيرات وتأمل أجسادهن وهن نائمات.

وفي تعابير الغيشا ترد كلمة "كو" او "KO " كثيرا، وهي تعني "اللمسة القرمزية"، وليس "الشارة القرمزية"، التي كانت توضع على النساء الخاطئات خلال مرحلة "مطاردة الساحرات" في اوروبا في العصور الوسطى، وبعدها وقبلها من قبل رجال الكنيسة، لمعاقبتهن وقتلهن، كما هو الحال في رواية " الشارة القرمزية" أو "  The Scarlet Letter"، التي حولها فيلما سينمائيا المخرج "رونالد جوفي"، وجسدت شخصية الرواية الأساسية "هاستر بريان" الممثلة الامورة "ديمي مور"، صاحبة فيلم "عرض بذيء" مع روبرت ردفورد.

بالعودة إلى "فتيات الغيشا" و الـ"كو" التي تعني "اللمسة القرمزية"، فان اللون الأحمر حاضر بقوة عندهن، فهو رمز الحب والجنس، وعادة ما تلبس الغيشا هذا اللون وتطلي شفتيها بالفاقع منه، ويعتقد ان اللون الأحمر، أو القرمزي، عندما ترديه الغيشا كلباس تحتاني يقيها من الحيض والتقلصات ويضمن الصحة الإنجابية. وفوق ذلك فان اللون الأحمر عند الغيشا يجب أن يكون معدا من بتلات زهور حمراء، وهو في نهاية المطاف، أي اللون الاحمر، ما يضفي المسحة الجمالية أو الشكل المميز للغيشا.

وعندنا نقول ": إذا كان حبيبك ثور البس له احمر"، فالرجل يهيج ويثار، او هكذا تعتقد بعض النساء، عندما يرى رفيقته بملابس داخلية حمراء، هياج الثور في "الردوي"، كلما شاهد قطعة الشاش الحمراء اللون يلوح بها "المتادور"، هذا مع العلم، إنني قرأت ذات يوم أن الثور لا يميز الألوان.

والآن، وقد أصبح عيد العشاق، عيدا عاما، فان كل عاشق يميز نفسه في هذا اليوم، الرابع عشر من شباط/فبراير، باللون الأحمر. ويتسلق سعر الوردة الحمراء في يوم العشاق ارتفاعات عالية، ولا يستطيع شرائه إلا محب ولهان أو عاشق ثري.

المهم، وهم، أي الصينيين، مثلنا، يعتبرون إظهار اللون الأحمر خلال الحداد أمراً معيبا، ذلك انه، أي اللون الأحمر، رمز السعادة، وليس الحزن، الذي يدلل عليه باللون الأسود، عندنا وعندهم، بخلاف بعض الأقوام الذين يرتدون الأبيض خلال الحداد والجنازات، كما هو الحال في بعض دول الكاريبي وأميركا اللاتينية.

والحال، فان الصينيين يعتبرون كتابة اسم شخص باللون الأحمر أمرا خطيرا، إذ يعني انك حكمت عليه بالموت أو الهجر.

وعندنا فان رؤساء التحرير، مثلي، يستخدمون اللون الأحمر لمنع المقالات أو شطب الفقرات التي لا يريدون نشرها، أي انه لون الرقيب، عندما لا يرغب بتجاوز الخط الأحمر...

ويستخدم بعض المسؤولين القلم الأحمر للتأشير على المعاملات غير المرغوب بإتمامها.

وفي العادة، لا تخلو أي راية عربية من اللون الأحمر، رمز التضحية والفداء، ويقول الشاعر، الذي اختلف على اسمه، هل هو عنترة أم صفي الدين الحلي أم احمد شوقي، في وصف ألوان العلم الفلسطيني، الذي جعله حزب البعث العربي الاشتراكي علما عربيا، وهي بالمناسبة نفس الألوان المستخدمة في كل الرايات العربية تقريبا: "بيض صنائعنا، سود وقائعنا، خضر مرابعنا، حمر مواضينا".

على كل، قلت كل هذا، وأكثر، في تبرير استخدامي للون الأحمر لـ"سعدية الذكية". قلت وتحدثت كثيرا حتى مللت وزهقت وطلعت روحي ومع ذلك بقيت مصرة على وجهة نظرها، هي حرة، في النهاية تصطفل، شو طالع بيدي اعمل لها...

أعود لغرفتي ومللي وحبل غسيلي...!

في العادة، لا أقوم بطيّ الغسيل الجاف ونقل المنشر إلى مكان آخر واتركه هناك بما عليه من ملابس بجانب الشباك وبدون ملاقط حتى يحين موعد نشر وجبة الغسيل التالية فالقي ما جف من ملابس على السجادة الحريرية، سعودية الصنع، واتركها هناك بدون ترتيب أو طي لاستعمالها خلال الأيام القادمة.

والصحيح أن هذه العملية، أو الكسل في ترتيب الملابس الناجم عن شعوري الدائم بالملل، أجبرني على استعمال جزء بسيط من ملابسي الكثيرة. ففي العادة، أنسى الكثير من الملابس التي عندي لأنني نادرا ما اعمد إلى تفقد خزانتي وإخراج ملابس اخرى.

وهكذا فان من يعرفني ويراني باستمرار سوف يعتقد أن ملابسي محدودة جدا، أو إنني رجل زاهد في استهلاك الملابس، ولا اركض خلف الموضة، مع أن الأمر غير ذلك تماما.

في الواقع، أنا رجل ملول جدا، وهذا يختلف تماما عن الكسل، وأحب ان أؤكد هنا، مرة اخرى، على إنني لست كسولا.، وهذا رأي "سعدية الذكية" ايضا..

وفي العادة، فأنني سرعان ما أمل، بل أزهق، وأطفر، وتفرفط روحي وتكاد تفر من موضعها بسبب الأعمال والتفاصيل الصغيرة المتكررة.

 ولا شك أن جزءا مهما من وقتي يذهب في قضاء مثل هذه الأعمال، بما في ذلك العمل المتكرر، والأخبار التي لا تختلف إلا في بعض التفاصيل الصغيرة.

الآن، وقد كنت بدأت اكتب هذه التدوينة لكي اطرد ملل يوم الجمعة الطويل، الذي اقضيه وحيدا في المكتب، اشعر بالملل من الكتابة المملة. وقد قصدتها فكل دورة ملل تفضي إلى دورة أكثر امللا...

تعليقات

Comment Icon

لك الصباح والسعد
أثناء حديثك عن رمز اللون الأحمر، ذكّرتني بالصديق القريب البعيد الآن، "سرحان الغول" كان يعمل قبل وفاته -له الرحمة ولك طول العمر السعيد" بالبحث عن مدولات بعض الرموز في مختلف الحضارات، منها "الأفعى"، "المنجل" وغيرهما...

خطر ببالي أن أكتب عن "الحب"، أثناء قراءتي تدوينتك، شعرت بأني عاجزة عن ذلك..!

دمت بخير

بسمة فتحي | 22/05/2009, 12:47 [ الرد ]

Comment Icon

صباح الخير..
كيفيك شو اخبارك.

محمد عمر | 23/05/2009, 11:50 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba