أين يمكن أن أضع هذا "الشيء"، أو بالاحرى، كيف يمكن تصنيفه، تحت أي خانة وبند يندرج.
من المهم أن أصل إلى نتيجة، أو أن أجد جوابا
للسؤال السابق، فعلى تصنيف هذا "الشيء" ربما، أو، بالتأكيد، سوف أصل إلى طريقة للتعامل معه.
أعياني هذا "الشيء" تماما. وفقدت قدرتي، لا بل، لم يكن لديّ أي حيلة للتعامل معه، ليس منذ الآن، لا بل منذ سنوات...
أحيانا اشعر أن هذا "الشيء" عبارة عن بزاقة، حلزونة، تلتصق بي، تتسلق جسدي، تبدأ من قدمي، تتلوى ببطيء صاعدة نحو وجهي ورأسي، ترسم خلفها خيوطا من لعاب فضي مقزز.
انظر إليها باستسلام وهي تغرق جسدي بخيوط المخاط القذر، غير قادر على الإمساك بها وإلقائها بعيداً. لا ادري لماذا اشعر بكل هذه السلبية، أو، لماذا كل هذا الاستسلام لهذه البزاقة المقززة
اشعر بقرف شديد من نفسي، قرف من خيوط لعابها التي تلمع على جسدي، قرف من عجزي حيالها. من عدم قدرتي على تنظيف نفسي. من ضعفي وهواني عليها.
أحيانا اشعر أن "الشيء" علقة خضراء قميئة، تلتصق بصدري، تمتص دمي وعافيتي، انظر إليها وهي تلعق دمي المتسرب من شقوق فتحتها هي بفمها الدقيق، أشاهدها تكبر وتكبر وتتضخم، فيما أتضاءل أمامها حتى أكاد اضمحل تماما.
شيء ما في "الشيء" يجعلني اشعر بحالة من "التشيؤ"، حالة من الاستلاب تحيل كل علاقتي به وعلاقتي بالناس كما لو كانت علاقات مع أشياء.
في الواقع، إن للتشيوء جانب آخر، إذ ليست العلاقة مع "الشيء" بحد ذاتها هو ما يجعلني اشعر على هذا النحو المريع، إنما ما اعتقده أنا عما تمثله هذه العلاقة، أو، ما هو متمثل في ذهني عن الأشياء التي أخال أنها متمثلة فيها، فيما الأمر قد لا يكون، أو، هو كذلك، ليس أكثر من كلمات قد تمثل أو لا تمثل جوهر الأشياء التي تبدو في علاقتي بـ"الشيء"، أو بكنهه.
على أن بحثي عن الكلمات التي تمثل الأشياء التي اعتقد أنها متمثلة في جوهر "الشيء"، أي، في علاقتي به بما أن الجوهر هو العلاقات الداخلية للأشياء، وهو والحال هذه، علاقتي بـ"الشيء" فهو أكثر ما يحبطني، ذلك أن بحثي عن هذه الكلمات هو عملية دائمة، تفكير دائب، بحث متواصل، إعمال للفكر يصل حد الهوس أحيانا، انشغال وقلق إلى حد الأرق، عجز عن القدرة على بلورة الكلمات التي تصف حال العلاقة بـ"الشيء".
واقصد بالكلمات هنا القدرة على بلورة الأفكار التي تعتريني حول الأشياء. لكن عملية البلورة هذه عادة ما تخضع لإعادة بلورة دائمة، فكلما توصلت لفكرة أعدت قراءتها من جديد، واعدت النظر فيها، وكلما اقتربت من اعتماد الكلمات، التي اعتقد أنها دالة على الحال، أعود إلى البدايات اذ ان كل فكرة كانت تتناسل، وينتج عنها سلسلة لامتناهية من الأفكار والكلمات.
والأمر إن هذا الشيء يدفع بالإنسان السليم إلى الشعور بالإحباط ثم الكآبة، فكيف والحال معي أنا الذي أقف على حافة الجنون مرة ومرات.
والحال، إن ما يزيد من حالة التشيوء، ويعمق اغترابي أكثر هو شعوري بان هذا "الشيء" يستعملني، أي إنني اشعر أنني أيضا "شيء" قابل للاستعمال ككل الأشياء التي نستعملها لقضاء حاجة ما، ثم نركنها جانبا ، أو، حتى نهملها حتى يحين موعد استعمالها مرة اخرى.
من المفترض وبحسب نظرية "لامارك" فان استعمال الأشياء يقويها ويحسن من خصائصها، لكن في حالتي فان الاستعمال هنا يضعفني ويفقدني أحسن ما فيّ، فيما يكسب "الشيء" قدرة على التوازن في علاقاته بالأشياء الاخرى.
ومن بين هذه الأشياء، علاقة "الشيء" بمرآته، فكلما كنت استلب له، وارفع من شأنه، كان يبالغ في النظر إلى نفسه بمرآة نفسه فيراها جميلة لا غبار عليها، تستحق أكثر مما هو متاح لها.
كما أن علاقة "الشيء" معي مكنته من ان يفرغ كل حمولته "الملتبسة" عليّ، ما منحه القدرة على إظهار الوجه الآخر، أو، الوجوه الاخرى للآخرين. وهكذا تمكن من العيش بوئام معهم، فيما لم ير فيه الآخرون أبعادا تنفرهم منه. أو هم رؤوا وأغضوا، وهذا ما اشكك به تماما..
والحال هذه، فان هذا "الشيء" الذي ليس كمثله شيء، فلا هو كائن إلا بمقدار وجوده المتحقق فيزيائيا، ولا هو ملتبس ليحتمل التأويل على أكثر من وجه، ولا هو جرم صغير ينطوي على دلالات اكبر وأعمق، بل ليس أكثر من مجرد تفاهة تنطوي على تفاهة.
ومع ذلك، ومع كل ما أنا مقتنع به حقيقة من تافهة "الشيء" ومن عدم جدواه، لا بل من ضرره وضراره ، فلا استطيع الفكاك منه أو نفيه بعيدا عني، وهو ما يزيد اغترابي. ويزيد في احتقاري لنفسي.
اخيرا، لقد كانت الحياة هنا، وكان عليّ أن أعيشها، وان لم يكن فعليّ أن أتقبلها...
ما فهمت اشي...
عروبة | 04/06/2009, 19:24 [ الرد ]