احتجت لوقت طويل قبل أن استوعب ما حدثَ، لكن الحد الفاصل كان أمس. في اللحظة التي كنت أفكر فيها بكيف تم الانتقال الفذ قادتني قدماي إلى الدهاليز القديمة...
كانت بالنسبة ليّ دهاليز بكل ما في الكلمة من معنى، كأن الزمان حفرها وتركها هناك، كان الكثيرون غيري يعرفونها ويترددون عليها، لكني اكتشفتها أمس، وأمس فقط، وبمحض الصدفة...
على كل هي ليست دهاليز، لكنها عبارة عن مداخل، زواريب متفرعة، أدراج صاعدة وهابطة، معتمة في زوايا وجوانب، مضيئة بأنوار بيضاء حليبية في زوايا وأماكن اخرى. كوى كثيرة يعتبرها البعض محال. بسطات بعضها خشبي بواجهات زجاجية وبعضها الآخر مصنوع من المعدن الفضي والزجاج...
رجال بيض البشرة في الغالب، كأنهم لم يتعرضوا لضوء الشمس مطلقا، كأنهم بقوا هناك، وهم كذلك، يبدؤون في الصباحات، ينزلون في الأقبية، ويقبعون في الزواريب، او في الطوابق العليا، يسكنون بيوتهم في ساعات متأخرة من المساء، لكنهم لا يرون الشمس.
يجلسون على كراس، بعضها صغير صنع من القش عند نجار عربي، بعضها جلدي، دوار، اسود في الغالب، كانت تستورد وصارت تصنع عند الحدادين الافرنجيين التي أصبحت تسمى مصانع.
هناك هم دائما، ولدوا من الرخام وعاشوا في الرخام ليعودوا ثانية اليه. من أي معدن قدوا، ومن أي قماشة صنعوا، كيف أمكنهم ان يكونوا كذلك.
ماذا لو كنت الان مكان احد منهم، اجلس على كرسي قش وإمامي كرس آخر صفت عليه علب السفرطاس الذي حمله ليّ ابني البكر من بيتي بعد رواحه من المدرسة. وجلس خلف المكتب يكتسب خبرتي ليرث عني كوتي هذه...
ماذا لو كنت الآن مكان احدهم، اخلط الرز بالبامية، وارتشف الماء من زجاجة ببسي ذات الحجم العائلي، أحضرتها مثلجة صباحا معي من براد بيتي الذي اشتريته من مالي ومن جنى يداي وتعبي لأتمتع بحطام الدنيا الزائل.
ماذا لو كنت الان هناك مكان احد منهم، اجلس محني الظهر على الكرسي القش تحيط بي أشياء ليست بالأشياء: قوارير مختلفة الأشكال بلاستيكية ومعدنية وزجاجية؛ عبوات وبخاخات؛ باروكات؛ شعر مستعار بلاستيكي، أو، زوائد شعر، إكسسوارات بلاستيكية؛ أقراط؛ عقود؛ ملابس نسائية داخلية مقلدة صنعت في أقصى الشرق لترضي تطلع الغلابة لليل رومانسي كليل الأعالي.
هناك في الدهاليز القديمة التي تسمى أسواقاً بقيت أتنقل بين أكوم الأشياء في الصناديق والكراتين وسلال البلاستيك. ماذا يعني ان تتجمع ملايين الأشياء هنا، وماذا يعني ان تنفق ملايين الدولارات على استيراد وتصنيع بضائع هي اقرب إلى الأشياء.
لكن، ماذا يعني ان يشتريها الناس، ويبيعونها، كيف اتفق للبائع الذي يقضي أيامه لا يرى الشمس ان يبيع بضائع الهدف منها المتعة والإمتاع والمؤانسة. يبيع الإنسان المتعة ولا يمارسها.
تراودني نفسي ان أكون جزءا من هذا كله، بائع بسطة فقيرة تحت الطابق الأرضي، اعرض على النساء مكياجات رخيصة، أشاهد عامل وافد يحمل شنطة ويتسوق ملابس نسائية داخلية، امرأة منقبة تعاين آلة لكي الشعر. فتاة محجبة تغرق في كرتونة الإكسسوارات بحثا عن قرط يناسب بلوزتها الجديدة.
هناك في الدهاليز التي تسمى اسواقاً لا يرى الباعة والشمس ولا يستمتعون بأطايب بضائعهم المعدة للمتعة، لكن الأكيد لو كنت واحداً منهم فسوف اكون سعيدا لانني لن اقرأ صحف الصباح ومقالات العشرات من الكتاب ولن احزن على خسارة قوى 8 اذار ولن اختلف على تقييم خطاب اوباما...
وفوق ذلك فلن احفل بكيف تم الانتقال الفذ مما ليس عضويا الى العضوي. ...
بس ما حكين وين هالمكان؟؟
عروبة | 10/06/2009, 19:41 [ الرد ]