فيما لو اجتزت المفازة الأخيرة من القفر الأكبر جنوب المعمورة فسوف أصل إليهم...
قالوا ليّ إنهم هناك على الطرف الجنوبي في انتظار اللحظة الحاسمة ليتقدموا نحو القفر الأكبر شمالا، أي نحونا، وإنهم يعدون العدة لذلك.
لم تكن تصلنا أنباء متواترة عن استعداداتهم، ولم نكن نعرف سبباً لهذه الأنباء، أو، كيف انتشرت بين الناس. على أن بعض العارفين ببواطن الأمور قالوا إن تجارا من قوافل الملح أكدوا لهم أنهم سمعوا من تجار آخرين كلاما عن هذه الاستعدادات، لكن لا احد يعرف أية تفاصيل عنها ولا عن وقت الوقيعة المنتظرة.
خلال الأشهر الست الأخيرة حطت ثلاث قوافل ملح في المدينة قادمة من الواحة الداخلة الغربية، بعدها شاعت بين الناس أنباء جديدة عن هذه الاستعدادات، فساد المدينة جو من الوجوم والترقب. لا بل بدأت الفوضى تشيع في المدينة. فقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية نظرا لإقبال الناس على شرائها وتخزينها وفقد بعضها، وصار بعض التجار يمتنعون عن تسير قوافل إلى الواحات والمدن الاخرى خوفا من الهجوم المنتظر فيما اخذ بعض التجار يستقبلون القوافل الاخرى خارج أسوار المدينة حيث يشترون بضائعها بعيدا عن عيون رجال العسس والناس ويخفونها في مخابئ خاصة، وقد تحولت بعض منازل المدينة إلى مأوى للمشردين وسكان الأحزمة والعشوائيات واللصوص وقطاع الطرق بعد ان هجرها سكانها القادرين على الرحيل إلى مدن اخرى بحماية رجال وإدلاء أقوياء.
وباتت العامة تخشى على أموالها وأراوحها، فأصبحت الدكاكين تغلق قبل الغروب، وخفت الحركة على الطرقات، خاصة الطرفية منها، والتزمت الناي بيوتها تتسقط تتداول بهمس وتوجس آخر الأنباء.
وكاد الأمر، أو، هو صور كذلك، ان يخرج من يد صاحب الأمر فأمر رجاله بتشديد الرقابة على الناس فانتشر العسس أينما كان وصاروا يحصون على البني ادمين أنفاسهم ويخترقون حرمة منازلهم بسبب وبدونه.
وأعلنت حالة الطوارئ في المدينة التي كانت وادعة، ووضع ديوان الباب العالي يده على مصالح كثيرة أممها من أصحابها الذين توارثوها ابا عن جد، وحظر على العامة التجول بعد غروب الشمس. وقد أصبحت الكثير من السلع تباع بالبطاقات التموينية وقنن توزيع الزيت والملح على الناس وفرضت الضرائب والمكوس لتقوية جيش السلطان استعدادا للوقيعة الكبرى.
وصار طبيعيا أن يصدر عن ديوان الباب العالي فرمانات شبه يومية تحذر العامة من التداول في شؤون لا تخصها، والبوح بكلام من شأنه ان يؤثر على معنويات الأمة، ويحبط هممها العالية ويؤثر على نسيجها ووحدتها، ومنعت الناس من التجمع لأكثر من شخصين وأغلقت المقاه.
واستعان الحاكم بأمره برجال الدين، فأطلق يدهم في شؤون الناس، فصاروا يتدخلون في كل شاردة وواردة، يصولون في خطبهم ويجولون مهددين ومتوعدين الخارجين عن طاعة أولي الأمر وكل من تسول له نفسه تثبيط همة الأمة. ودعوة الناس إلى التمسك باخرتهم والاستعداد للتضحية بزينة الحياة الدنيا ومتاعها الزائل، فقلت مظاهر الترف والفرح وارتدت النساء الخيام السوداء ولبس اغلب الرجال الدشاديش البيضاء القصيرة، ومنعت أماكن اللهو والأفراح والأغاني في الأماكن العامة وسادت الكآبة جو المدينة.
وصار لهؤلاء سطوة لا تقل عن سطوة السلطان ورجاله والعسس، بل إنهم صاروا جزءا منهم وان اظهروا غير ذلك.
هنا، في المدينة، صارت الحياة في مكان اخر، واصبحت الناس وأمست جالسة على مصاطب بيوتها ترنو نحو الجنوب في انتظار القادمين او في الانتظار وحسب..
هناك وقفت على حافة المفازة أرنو نحو الافق، كانت رمال القفر تتوهج تحت شمس ساطعة، وكل ما رأيت كان سراباً...
واحذر يوما تقف فيه بين يدي الله
انك تسيء الى الحجاب كثيرا وهذا لا يجوز فاذا كنت لا تخاف الله فالتزم بمعاييرك الصحفية
اتق الله يا محمد بن عمر | 12/06/2009, 01:15
لولا العنوان ..
كأنني أتمـاهى مع كتابات يوسف القعيد أو جمـال الغيطانـي !
دمت بخير ..
فـاخـر النـحـال | 11/06/2009, 08:30 [ الرد ]