لسبب، أكيد طبعا، استيقظت اليوم صباحاً ونار الشوق تأكلني، آه م الشوق...
"سلامات بالحضن يلي من زمان غايب ..قلبي من شوقه بكى يا عز الحبايب .. ياما سألت الدرب ويللي مرق منه .. عنك يا روح القلب يا أغلى الحبايب .. مر العمر والعمر من دونك ما يحلى .. وعرفت أنا طلتك قلبي صرخ أهلا .. رَوّح يا رفيق الصبا.. ياما أصعب الفرقة.. ليقولوا عنك سلا أهله ونسي دربه...".
على كل، هذا اليوم كئيب بحد ذاته، فيكفيه انه يصادف الذكرى السنوية الأولى لرحيل شاعر سيدة الأرض، محمود درويش...
ما علينا...
هذه تدوينة كتبتها قبل أيام وتركتها لهاتف طارئ، ثم نسيتها...
قراري بعدم التدوين خلال وجودي في المغرب حرمني الكثير من الانطباعات التي كنت أسجلها في ذاكرتي ودفتري، أحاول هنا العودة إلى بعض هذه الانطباعات...
إحياء الصوفية...
عندما كنت اتجول في بعض شوارع "الرباط" أو "مراكش"، الشوارع والمناطق التي تقطنها الطبقة الوسطى، كنت الحظ بوضوح مدى انتشار المد الديني الإسلامي، مثلما عندنا.
غير أن هذه المناطق تعتبر خزانا للأحزاب الإسلامية السياسية العلنية مثل "حزب العدالة والتنمية" اساسا، اكبر الأحزاب الإسلامية.
رغم أن هذا الحزب، بحسب الصحف المستقلة، يتعرض لمضايقات وهجمات من قبل مؤسسات الدولة والعرش لتقليص نفوذه السياسي.
لكن اكثر ما "يخيف" الدولة المغربية هو انتشار الفكر المتطرف في الأحياء العشوائية الفقيرة، وتوليد حركات إرهابية وانتحاريين، كما حصل في تفجيرات ايار/مايو 2003.
لذلك فقد وضعت الدولة خطة متكاملة لـ"إعادة هيكلة الحقل الديني". من بين عناوين هذه السياسة إحياء الفكر والتدين الصوفي، الذي يمتلك تراثا تاريخيا ووجودا في المغرب اكثر مما هو لدينا، ربما بتأثير العلماء المسلمين في الاندلس.
وعندما كنت في "مراكش" علمت عن انعقاد مؤتمرا للفرق الصوفية في منطقة "رباط سيدي شيكر" بحضور أكثر من ألف متصوف، حاولت أن أصل هذا المؤتمر لكن لظروف الوقت لم أتمكن.
وهذا الرباط القريب من مدينة "مراكش" يعتبر مهد الصوفية في المغرب، وسيدي شيكر هو احد زملاء عقبة بن نافع.
كان لقاء المتصوفة هؤلاء لاقى اهتماما شديدا في المغرب، وأرسل العاهل المغربي إلى المجتمعين رسالة جاء فيها :" تعلمون علم اليقين، أن عالم اليوم، بما يطرح على الإنسانية من تحديات، وما يواجه فيه المسلمون خاصة، من عويص المشكلات، عالم يواجهكم بأسئلته، ويستنهض عزائمكم، بما ينتظره منكم من الأجوبة الملائمة، وأنتم الذين رفعتم على الدوام شعار: الصوفي ابن زمنه ووقته...".
على الرغم من انتشار الصوفية في المغرب بشكل كبير، وقد كانت "الزوايا" الصوفية احد أهم المرتكزات التي استند عليها "المخزن"، أي "العرش" في صناعة النخب. كما استند إليها في تثبيت حكمه.
بالرغم من ذلك، فان محاولات حثيثة تجري في المغرب وجارتها الجزائر لإحياء "التصوف".
والحال، ان هذه "الإحيائية"، التي تجد اهتماما في وسائل الإعلام المغربية، تأتي في محاولة لامتصاص "التطرف" الإسلامي...
في الجزائر، التي يقدر عدد المتصوفين فيها ما بين مليون الى مليون ونصف، فان الحكومة وضعت خطة لتشجيع هؤلاء لمد أفكارهم في المجتمع، وقد أحدثت الحكومة محطة تلفزيونية وإذاعية لنشر التصوف.
ما علينا...
موضوع إحياء التصوف كان واحدا من أهم توصيات "مؤسسة رند" الأميركية في أول تقرير لها حول الاسلام بعد تفجيرات ايلول الارهابية في واشنطن ونيويورك.
وقد عجلت الجزائر والمغرب من هذا الاتجاه بفعل التطورات الداخلية، خاصة في الجزائر التي دفعت أكثر من 200 الف ضحية نتيجة الإرهاب الأسود.
على ان خطة الدولة المتكاملة لاعادة هيكلة الدين في المغرب، التي توصف بـالثورة الهادئة، لا تقتصر على تشجيع انتشار الفكر الصوفي وإعادة احياء هذا الفكر.
فخلال وجودي هناك كان عقد ايضا مؤتمرا للداعيات والواعظات، وقد بعث العاهل المغربي، ايضا، برسالة الى المجتمعات حثهن على البحث في نشر تعاليم دينية متنورة ومتسامحة.
ومؤتمر الواعظات هذا يأتي لـ"كسر" احتكار الذكور للوعظ الديني، والتأسيس لدور "نسوي" فيها، تعويلا على اعتدال المرأة بشكل عام.
وقد جاء عنوان احدى الصحف :" هل تنجح النساء في ترجمة المفهوم الجديد للخطاب الديني".
ومن بين مرتكزات هذا "المفهوم" ما جاء في رسالة العاهل المغربي لمؤتمر الواعظات، من انه يتوخى :" انبثاق نموذج جديد للفقيه العالمة، تجمع بين القديم والجديد، والطارف والتليد، فقيهة متنورة تساهم في تحقيق امن روحي شامل وبعث اسلامي متوازن في اطار المذهب السني المالكي، وفي ظل الامامة العظمى، القائمة على البيعة المتبادلة، والميثاق الراسخ بين الراعي والرعية"...
ويقول تقرير صحيفة "اخبار اليوم"، 20/7/2009، عن مؤتمر الواعظات:" يبرز الاهتمام الذي حظيت به المرأة ، في اطار المشروع لاعادة هيكلة الحقل الديني، التخوف السياسي من الحركات الاسلامية التي استطاعت تحويل المرأة على وجه التحديد الى قاعدة لها والاعتماد عليها في الدعاية لمشروعها السياسي...".
ما علينا...
بيد ان احياء التصوف في المغرب لا يهدف فقط الى محاربة التأويل المتطرف والغلو في الدين، بل ان الدولة هناك، بحسب بعض الخبراء، تعول على "تنشيط الاقتصاد والحياة الاجتماعية"...
وطالما ان "المتصوف ابن زمانه ووقته"، ويحث على العمل والجهد والتقشف معاً، فمن المأمول ان تسهم هذه الأفكار في تنشيط الحركة الاقتصادية.
وفكرة إسهام الدين في التنمية الاقتصادية ليست جديدة، وكان عالم الاجتماع ماكس فيبر اعتبر ان القيم البروتسنتانية كانت، من بين عوامل اخرى، أسهمت في تكديس الثروات، أي التراكم الأولي لرأس المال، بحسب كارل ماركس، الذي ادى الى الثورة الصناعية ونشوء الرأسمالية..
فهل تنجح "ثورة اعادة هيكلة الدين" الهادئة، وهل ينجح التصوف في مكافحة التطرف.
الملك مرة اخرى...
أكثر ما أثار استغرابي جرأة الصحافة على الملك محمد السادس.
قبل سفري الى المغرب كان الرئيس الأميركي باراك اوباما بعث برسالة إلى العاهل المغربي يطلب منه فيها ان يستعيد الملك الدور المغربي في الصراع العربي الإسرائيلي، هذا الدور الذي كان نشطا ايام الملك الراحل الحسن الثاني. وأثمر عن اتفاقيات "كامب ديفيد" بعد مفاوضات ومحادثات وصلات سرية بين المغرب ومصر.
عندما حل الملك محمد السادس في العرش مكان ابية رفع شعار "المغرب أولا"، ضمنيا طبعا، وركز جهوده على الإصلاح الداخلي، وقلص الى حد كبير من دور المغرب في السياسة الخارجية او هو اعاد توجيهها نحو مصالح المغرب أولا. لذلك امتنع عن حضور الكثير من الفعاليات والقمم العربية والإسلامية وفضل إرسال مندوبين عنه.
عندما وصلت المغرب كانت تعقد في "شرم الشيخ" قمة "دول عدم الانحياز"، وكان الملك محمد السادس غائبا عنها.
وكتبت الصحف تنتقد هذا الغياب.
الانتقادات الصحفية المتواصلة للدور السياسي الخارجي للملك دفع بصديق الملك فؤاد ذو الهمة، صاحب "حزب الاصالة والمعاصرة"، او ما يعرف شعبيا في المغرب بـ"حزب التراكتور"، نظرا لشعاره، الى التصريح بأن :" الملك محمد السادس يعتبر تازا (مدينة مغربية) لها الأولوية على غزة"...
صحيفة "أخبار اليوم"، قامت في عدد 17/7، بترجمة كاملة لملحق صحيفة "اللوموند" الفرنسية عن العقد الأول من حكم الملك محمد السادس. وهو العدد الذي حاول وزير الاتصال، الإعلام، منعه لولا تدخل الملك شخصيا والسماح بتوزيعه في مملكته.
الأزمة الاقتصادية...
خلال وجودي في المغرب اتيح ليّ ان اطلع على ما تكتبه الصحف حول تأثير الازمة الاقتصادية العالمية على المغرب، وهي تأثيرات سلبية في المجمل، لا تختلف كثيرا عن التأثيرات التي تتركها الازمة على الاقتصاد الاردني، بسبب تشابه ظروف البلدين بشكل عام، وتقارب سياساتهما الاقتصادية (الاجتماعية).
من بين افضل ما قرأت، كان هناك تقارير عن توصيات المعهد الملكي للدراسات الإستراتجية لمواجهة الازمة، وهذا المعهد " تأسس عام 2008، يعنى بدراسات وتحاليل استراتيجية حول مختلف الاشكاليات المطروحة، ومن مهماته تحيين " تحديث" النظام المعلوماتي الخاص باستقصاء ومعالجة الامور الاستراتيجية على المستويين الوطني والدولي".
تقرير المعهد كان متشائما بسبب وضع النمو في الدول الشريكة للمغرب، وقد اوصى المعهد بالعمل باربع توجهات للسياسات العامة للاعداد لفترة الازمة وما بعدها، من هذه التوصيات:
اولا: توسيع برامج التنمية البشرية لتشمل ميادين الصحة والتعليم في اطار مجلس اقتصادي واجتماعي يجب التعجيل في استحداثه.
ثانيا: الالتزام بتطبيق الحكامة الجيدة، اي الحاكمية الرشيدة، باتجاه مزيد من التنسيق والمتابعة، ما يتطلب خلق اطار يتكفل بتنسيق مختلف السياسات الحكومية (لجنة وزارية مختطلة او غيرها) تتكفل ضمن مهام اخرى، فحص وتدقيق الاتفاقات التجارية الثنائية والدولية على ضوء المستجدات الحديثة.
ثالثا: وقف نزيف "تراجع" تنافسية الاقتصاد الوطني، بالعمل على رفع الانتاجية داخل المقاولات والاعتناء بتكوين العنصر البشري.
ومن توصياته الخاصة الحفاظ على مستوى معين من الموجودات الخارجية، بحيث لا يعجز احتياطي العملة الاجنبية عن تغطية ما بين 6 الى 7 اشهر من الواردات، وحسن تدبير الموازنة العامة للدولة واعطاء اولوية خاصة لبعض النفقات وتشديد الرقابة على السياسة الضريبة...الخ
رابعا: الاندماج الجهوي، أي التكتلات الاقليمية، فقد رأى معدو التقرير ان الأزمة كشفت ضرورة التكتلات الإقليمية وهو ما يستدعي من المغرب تفعيل اطار الشراكة مع الاتحاد الاوروبي.
الا ان التقرير خرج بتوصيات اخرى مثل الانتباه للهجرة غير الشرعية، الانتباه لتفشي تجارة السلاح والمخدرات والسلع وتهريب البشر، لتقوية الامن. وتحصين البلد من مخاطر انية واخرى بعيدة المدى سواء على مستوى الصحة والمناخ، بادماج البعد البيئي في السياسة العامة والاستعداد لندرة المياه....
الصحافة اهتمامات اجتماعية...!
مرة اخرى، خلال زيارتي هذه كنت حريصا اشد الحرص على عدم التركيز على الآثار والطبيعة، وكل ما يعتقد السائح انه يريد "الفرجة" عليه..
حاولت قدر الإمكان أن اعيش في حياة المغاربة، ان أشاهد الناس وسلوكهم، أن أعيش مع همومهم، وكان عليّ ان أتابع بشكل كبير وسائل الإعلام. وقد تابعت الصحافة المكتوبة المغربية، وهي صحافة يحسد عليها الشعب المغربي حقيقة، فالقارئ لا يمل ابدا من مطالعة أي صحيفة مغربية..
تعطي الصحافة المغربية المكتوبة اهتماما بينا للمشاكل الداخلية، فمن النادر او شبه المعدوم ان تجد خبر عربي او دولي على الصفحة الأولى، وإن وجدت فهي قصير وبسيطة ولا تحتل حيزا مهما حتى في الصفحات الداخلية.
في المقابل فأن هذه الصحف تتمتع بجرأة استثنائية في تناول كل الخطوط الحمراء وكسرها...
في تحقيق جريء نشرته صحيفة "المساء" على ما اعتقد كان يتناول الفتيات العاملات في صالات السينما، أي الفتيات اللواتي يقمن بالإشراف على إدخال وإجلاس رواد السينما.
تحدثت أكثر من فتاة او امرأة عاملة في هذه الصالات للصحيفة عن منافسة "فتيات المول ليبيل" لهن أي الفتيات الجدد، ع الموضة، خريجات أقسام الإدارة في الجامعات المتحدثات باكثر من لغة والجميلات ومنافستهن مع النساء اللواتي كن يعملن في القطاع سابقا.
اما الأهم، فهو ما يدور داخل هذه الصالات سواء الحديثة منها التي أقيمت في "المولات"، على غرار ما يحدث عندنا، او في صالات السينما الشعبية.
تقول إحدى العاملات انها ومقابل حفنة من الدراهم ممكن ان تقدم "خدمات إضافية" للزبائن الذكور او ان تغض الطرف عن ما يفعله بعض الزبائن في الصالة، وهي تقصد ممارسات جنسية طبيعية وشاذة.
الأغرب فان أصحاب صالات السينما يطلبون من العاملات "تسهيل" الأمور على الرواد كسبا للزبائن، وكل امرأة لا تقوم بهذا تطرد من العمل.
وبين الخوف من منافسة "فتيات المولات" ومطالبات اصحاب دور العرض لا تجد احدى العاملات غضاضة في القول لمراسل الصحيفة انها لا تتواني عن تقديم خدمات اضافية للزبائن، تقصد خدمات جنسية..
هذا مثال على تحقيق واحد فقط، فيما التحقيقات الاخرى عن الفقر والتشرد والدعارة لا تقل جرأة.
اكمل لاحقاً...
مساء الخير ..
على فكرة جمعت تدويناتك السابقة عن المغرب للإسترشاد ببعض الأفكار التي طرحتها و الرجوع إليها لاحقا، و إن كنت لا أخفي أنك قدمت الخلاصة ! موفرا علي عناء البحث .
أشكرك بصدق على أحترامك لعقول القراء .. و لإحترامك لذاتك و لمدونتك
دمت بخير ..
فـاخـر النـحـال | 10/08/2009, 16:17
تدوينة غنية كعادتك يعطيك العافية ويرجع غيابك بالسلامة(:
... | 09/08/2009, 11:24 [ الرد ]