انطولوجيا النعل...!
15 تشرين اول, 2009

الشتا صار ع الأبواب، البسطار القديم، الذي كنت ابتعته شتاء العام الماضي من "شارع الطلياني"، خذلني وصار يسرب مياه الأمطار إلى قدميّ...

التهاب الغشاء العضلي الذي أعاني منه في قدميّ الاثنتين، ربما بسبب "ديسكات" الظهر، يحتاج إلى عناية، والحل في بسطار جديد، يقيني شر البرد وتسرب المياه خلال الأيام القليلة الماطرة، وربما سوف ينزل الثلج، في غيابك أيضا...

الواقع، ليس هناك، في وسط عمّان، أكثر من محال بيع الأحذية، ربما هي أكثر من الهمّ على قلب عاشق مجروح، أو، فقير معدم، أو، زوج مخدوع، أو، مخلوع...

"شارع السلط"، في وسط البلد، يكاد يصبح شارعاً لبيع "أحذية التصفية"، أحذية من "ايطاليا"، اسما بالطبع، ومن الصين فعلاً، من تركيا، وهذا فيه شك، بلا ريب، ومن دول جنوب شرق آسيا،،،

فرصة ورخصة، حذاء رجالي بثلاثة عشر ديناراً فقط، يا بلاش،،،

الفكرة،،،

 اغلب محال أحذية وسط البلد متخصصة في بيع الرجالي، مع أن القدم الأنثوية اعتادت "البلد"،،،

لكن ما علينا،،،

السياق الانطولوجي للكنادر، أو، الأحذية، يحيل الباحث عن بسطار جديد، على قدّ الرجل، إلى سياقات أخرى في عملية القياس،،،

في "شارع الطلياني"، او، في المحال المشابه لمحال هذا الشارع، الذي كان قبلاً متخصصاً في بيع الأحذية المستعملة، البالة فحسب، صار يخلط في البضاعة، بين الجديد، الذي مضى سياقه التاريخي، أي، موضته، أو، الذي يعاني من قصور ما في أداء وظيفته الكيانية، بمعنى آخر يعاني من "ديفو"،،،

بين المسارات، التي تتخذها الأحذية، بالإبعاد الخمس: معلقة ومدندشة فوق رؤوس الزبائن، او، مشبوحة على مسامير شمال وجنوب الزبون، او مرمية في "كرتونات" كبيرة، او، موضوعة على طاولات وبسطات عرض وحسب،،،

بين هذه المسارات، أو، الأبعاد، التي تشبه كهوف مزينة بالكنادر، يجب تنبيه الباحث عن بسطار جديد، ع قد الرجل، إلى انه:" الرجاء يمنع قياس الأحذية بدون جرابات، ونرجو عدم طلب كيس نايلون لاستعماله بدل الجوارب"،،،

قائمة محظورات الكنادر كثيرة: البضاعة التي تباع لا ترد ولا تستبدل، او، يسمح باستبدال البضاعة خلال ثلاثة أيام من الشراء، او، يرجى إعادة الأحذية إلى مكانها بعد القياس، الرجاء عدم الإحراج: السعر محدود، والدين ممنوع، والعتب مرفوع والرزق على الله،،،

الحالة "الكندرية"، تشكل في مجملها، سياقاّ بنيوياً، او، نظاماً، بنية متكاملة، تتكون من sub systems  ،،،،

بالإمكان القول، بدون كثير من المجازفة، أن البنية الكندرية، فقدت، او، هي تعرضت إلى تحولات جوهرية، في سياق تطورها التاريخي، وغادرت وظيفتها الأولى، لتكتسب وظائف جديدة، ولتكتسي مظاهر حديثة، لا تزال للآسف، بعيدة عن منظور منظري ما بعد الحداثة، وما بعد الكولونيالية،،،

تخدم مقولة البنية الكندرية، إن كان من حيث وظيفة وتصميم الكندرة، أو، من حيث استعمالها وتداولها، بيعا وشراء في تحليل المتحول الاجتماعي للجماعة، لا سيما البحث الاركيولوجي في النفس الجماعية للجماهير،،،

تروي كتب التاريخ، أو، الخراريف، واغلب ما كتب عن تاريخنا هي خراريف مشكوك في صحتها، على ما ورد في كتاب "الشعر الجاهلي" لعميد أدبنا، طه حسين،،،

تروي هذه الكتب، أن ملكاً، من ملوك الزمان الغابر، كان عائدا من رحلة صيد طويلة، وكان حافي القدمين، فلمّا تورمت قدماه، طلب إلى الرعية كسوة طريقه بالجلود، لكن مستشاراً ذكيا أشار عليه بان يُصنع له نعلاً من الجلد يلبس تحت القدم وهكذا يوفر على البلد مجزرة ذبح الثروة الحيوانية، وإشغال العامة في تعبيد الطرق بالجلود، وهكذا عرف البشر بداية صناعة القندرة، التي تطورت إلى ما بات يعرف الآن بـ"ايميلدا ماركوس سندرومي"، أو هذا اكتشافي انا،،، وما رافقها في انتقال الكلمات في دلالتها على الأشياء من "النعل" إلى "الحذاء"،،،

وقبل أن أكمل بحثي في صيرورة البنية الكندرية، أريد أن أعرج قليلاً على مغزى "نعل الملك"، ثم على "ايميلدا ماركوس سندرومي"،،،

يعتقد المختصون في علم نفس الفرد أن حكاية "نعل الملك"، اخترعت، لإقناع العامة بضرورة إحداث التغيير على الشخصية، قبل أن نذهب في البحث عن إحداث التغيير في العالم، أي، غيّر ما بنفسك قبل أن تفكر في تغيير العالم،،،،

بعيدا عن قصدية حدوتة "نعل الملك" عند علماء النفس، فان البنية الكندرية تطورت من لحظة نفعية اختراع النعل الملك حتى "ايميلدا ماركوس سندرومي"،،

 وايميلدا ماركوس هذه هي زوجة ديكتاتور الفلبيين المخلوع فيرديناند ماركوس، كان هذا الرجل يحكم بلدا بعشرات الملايين، يموت منهم جوعا مئات الآلاف سنويا، ويباع مئات آلاف الأطفال والنساء سنويا إلى تجار الجنس والدعارة، فيما كانت "السيدة الأولى"، ايميلدا، مهووسة في اقتناء الأحذية، لدرجة أن الجنود الذين دخلوا قصر زوجها بعد الإطاحة به عام 1986 وجدوا في خزانتها أكثر من 1600 جوز أحذية.

لا نعرف على وجده الدقة أي الحضارات الإنسانية التي اخترعت النعل، وان كان هناك من الإخباريين من  نقل لنا أن الصينيين هم أول من عرف الحذاء بشكله الحالي.

وقد اخترع الصينيون "الحذاء" لضبضبة أقدام نسائهم، اذ كانوا يحشرون أقدام الطفلات في أحذية حديدية لمنعها من الانفلاش فتبقى قدماها صغيرتان..

ولا يزال بعضا من أهل الصين يمارسون هذا التقليد بطرق شتى، بيد ان هذا التقليد انتقل بشكل او، بأخر الى شعوب اخرى، وخاصة شعوبنا العربية،،،

فصرنا نسمع بالمثل القائل :" بحاول حشر القدم في حذاء غير مناسب"، أي ان فلانا من السياسيين العرب، او، من المثقفين العرب، يحاول حشر الواقع في اطر تحليليه ليست مناسبة له،،،

على كل،،،

لا يخبرنا التاريخ العربي الكثير عن تطور الكندرة، والحالة الوحيدة التي وصلتنا عن طريق الإخباريين العرب هي حالة "حذاء الطنبوري"، التي تحولت في زمن مضى إلى مسلسل، او، حكاية "معروف الاسكافي" في "الف ليلة وليلة"، الذي باع عدة دكانه ليشتري لزوجته المستبدة الفاجرة كنافة بالعسل، ومع ذلك لم ترض عنه فهج عن بلاد هي فيها،،،

وعليه فأنني بقليل من المغامرة استطيع أن استنتج أن حالة الحفاء كانت هي السائدة، على الأقل عند الأعراب، ذلك أن تطاول الحفاة العراة رعاة الشاة في البنيان، هو احد علامات قيام الساعة، بحسب الحديث،،،

لكن هناك من الأعراب من كان ينتعل، وكان في النعل تمييز في المكانة، بدليل قول الشاعر:" أتذكر إذ لحافك جلد شاة ... وإذ نعلاك من جلد البعير"...

اذا كان جلد البعير مدعاة لمعايرة الفقراء، أو، بمعنى ادق "محدثي النعم" الذين تطاولوا في البنيان ولبسوا نعالا من غير جلد البعران هذه، فانني كباحث اركيولوجي بتاريخ النعل لا اعرف على وجه الدقة ما هي المواد الاخرى، التي كان يصنع منها النعل ليكون لائقا بعلية القوم، ترى هل كان يصنع من جلد البقر مثلاً، وهل كان هناك تمييز بين البقر مثلا، ام ان "البقر تشابه علينا"...

خلاصته،،،

يقتضي البحث في سياق تطور النعل الى حذاء، تقصي المزيد من الشواهد التاريخية، لكن ما اريد ان اقوله ايضا، ان المتغير في النعل المتحول الى حذاء، تطاول الى مناح اخرى،،،

الى ما قبل فترة كان وضع النعل امام الناس يعتبر دليل انتقاص من قيمتهم، وعندما ذهبت لشراء بسطار جديد، جلت في عشرات محال، وانجبرت على ان اطاطي راسي كلما دخلت، او تجولت فيها، لأن أصحاب هذه المحال علقوا بسقوفهم أحذية من كل صنف ولون، وخاصة البساطير،،،

وهكذا، فان الحذاء، الذي كان معيبا ان يوضع في وجه العربي، صار يمكن ان يعلق ببساطة فوق رأسه، وان يمر العربي من تحت البسطار مطأطئا رأسه كما لو كان مارا بخشوع من تحت قوس النصر...

وهيك، لم يعد بإمكان "الأخ العربي ان يرفع رأسه، لأنه عربي"، على ما قال الحبيب عبد الناصر، لان هذا الرأس لو رفع قليلا فسوف يصطدم بالبسطار، خصوصا ماركة كتاربلر، أو CAT  ، المشهود لها بصناعة الآليات الثقيلة المستخدمة في بناء المستوطنات اليهودية في فلسطين...

على كل، تاريخ القندرة، من نعل الملك الى معروف الاسكافي ورعاة الشاة المتطاولين في البنيان من محدثي النعم، وحذاء الطنوبري إلى ايميلدا ماركوس سندرومي الى بسطار الكتربلر، بما هي نسق بنيوي متكامل ومنظومات فرعية تنير للشعب العنيد درب الكرامة، فيما لو تم استخدام القندرة خارج سياق النسق التاريخي المستقر...!   

تعليقات

Comment Icon

صديقي سلخت البنيويين الجدد بوصفك:"
الحالة "الكندرية"، تشكل في مجملها، سياقاّ بنيوياً"..
على كل فان كندرة منتصر الزيدي لم تحضَ بحقها منك..!

محمد العمري | 15/10/2009, 14:20 [ الرد ]

Comment Icon

... " البـسـطـار "

بيننا و بينه كشعوب عـالم ثالث
" حالة و جدانـيـة " !!

و رغـم أنـها جربتـه
على الرؤوس دعـسـا
و في "...." حشـرا
إلا أن شعوبنا لا زالت حافية القدميـن ..

فـاخـر النـحـال | 15/10/2009, 16:00 [ الرد ]

Comment Icon

أصبحت مملا يا محمد عمر

احمد النادي | 15/10/2009, 20:01 [ الرد ]

Comment Icon

اعتقد ان المدونة ليس موقعا مطالبا دائما ان يكون لديه التجديد وقضايا وفق رغبة الجمهور...هي اجتراح نفسي للمدون وعليه من يقرأ يقرأ ومن لا يريد....لا يريد...مدونة جميلة

شما | 16/10/2009, 14:27 [ الرد ]

Comment Icon

من سدنة البسطار

الى قاتلتي ترقص حافية القدمين ...

هكذا نحن

بنت من هذا الزمان | 17/10/2009, 09:30 [ الرد ]

Comment Icon

jameeeeel ;)

Naser | 19/10/2009, 22:08 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba