لحظة وعي...!
04 ايار, 2010

 كنت في نحو العشرين من عمري عندما تعرفت على مؤلفات المفكر محمد عابد الجابري، كان قد بدأ بمراجعة الموروث العربي والإسلامي حديثاً، في محاولة لفهم "أسباب التخلف العربي"، ثقافيا ومعرفياً،،

عام 1988، كنت عائدا من كوبا بعد سنوات أربع قضيتها في دراسة الاقتصاد السياسي، كنت شابا فتيا متحمسا للجمل الثورية، وكنت انام وأصحو على حرير اليقين، والإيمان بأن الماركسية قدمت كل الأجوبة على أسئلة الإنسان والوجود،،

 
ليس هذا وحسب، كنت "مؤمنا"، وكان يكفيني "حفظ" مقولات لهذا المفكر او ذاك لـ"اقتنع"، او "اقنع" الآخرين،،
 
كان يكفني الاستشهاد بمقولة لماركس أو انجلز او لينين او حتى جورج حبش حتى "اقتنع" بصحة التحليل، حتى لو كان الواقع مختلف تماما،،،
 
لكن هذا الحال بدأ يتغير، وبدأت المس ان طريقة تفكيري، لا تختلف مطلقا عن طريقة تفكير أي إنسان "متدين"، او أي إنسان مؤمن بأي خرافات او خزعبلات أو أساطير،،،
 
الفكر مختلف لكن آلية إنتاج الفكر والتعبير عنه واحدة، مسميات الأحزاب مختلفة لكن طرق تنظيمها وعملها ويقينياتها واحدة،،،،
 
مخرجات الفكر العلماني العربي، أو الماركسي العربي، أو القومي العربي الذي كنت منتميا أليه، لا تختلف عن مخرجات الفكر الديني الذي كنت اختلف معه مطلقاً،،،،
 
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أو أي فصيل ماركسي أو قومي عربي، لا تختلف كثيرا عن جماعة الإخوان المسلمين، أو حزب التحرير، والعكس،،،
 
الماركسية، بحد ذاتها، "يوتوبيا"، لا تختلف كثيرا عن الفكر الديني، حتى لو كانت نتاج "عقلانية غربية"،،،
 
والأسوأ ان تهبط هذه "الماركسية"، ومثيلاتها من الافكار "المستوردة"، القومية والوطنية والانسانية، على فكر غيبي، سحري، ريفي، بدوي، تلقيني، نصي وتجزيئي،،،
 
المؤسسات الأهلية العربية ليست إلا صورة كاريكاتيرية مشوهة للأنظمة الرسمية العربية، التي بدورها تعكس حالة "مجتمعات التخلف"،،،،
 
هي حلقة مفرغة إذن، حلقة تدور حول نفسها تبحث عن إجابة السؤال "البسيط"، الذي طرح قبل 150 عاما، مع "بداية عصر النهضة العربية"، ويعاد طرحه يوميا منذ "خمسين عاما على هزيمة الثقافة العربية"،، لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟...
بهذا السؤال بدأ الجابري مشروعه في نقد "العقل العربي"،،، وأسس لمفهوم "العقل المستقيل"،،،
 
عندما تعرفت على مؤلفات الجابري حينها، اختلفت كل نظرتي، لا بل وطريقة حياتي، فلم اعد ذاك الشاب الذي تكفيه النصوص وحفظها، ولا يكفيه الإعجاب بالجمل الثورية، وبالشخوص،،،
 
بعد ان انتهيت من قراءة كتابه "نقد العقل العربي"، بأجزائه الثلاث "بنية، وتكوين، ونقد العقل السياسي العربي"، قررت فوراً الاستقالة من التنظيم الذي كنت منتميا أليه،،،
 
كنت مأخوذا بهذا الفيلسوف العربي، وباطروحاته الجديدة عليّ، مأخوذا كطفل، لكنه هو نفسه الذي علمني أيضا كيف "أقرأ"،،،
 
وضعت جانبا كل ما تعلمته في المدارس والأحزاب، وفي كوبا عن الماركسية، ورفضت إجاباتها المدرسية المبسطة، وذهبت ابحث من جديد عن الأجوبة...
 
الجابري هو بداية رحلتي من اليقين إلى الشك، هو "لحظة وعي"، اشراقة،،،
 
اين تكن الانتقادات التي وجهت لفكر الجابري واطروحاته، خاصة اطروحته في "العقل العربي"، سيبقى هذا المفكر منارة من منارات حركة التنوير العربي،،،
 
كان ينقص العرب ان يفقدوا هذه الهامة الفكرية بعد ان فقدوا قبل شهر تقريبا فؤاد زكريا،،،
 
كان ينقصنا غياب رجل أضاء مليون شمعة في ظلام عربي دامس،،،
يا خسارة...

تعليقات

Comment Icon

ليس مجرد إضاءة أو إشراقة أو حتى منارة ..
أعده عقلا عربيا فذا ، قامة نخبويـة فكريـة ، كنت أحسد نفسي عندما أستنير بكل هذا الفكر المستنير كوني أحصل على "خلاصة" ترفد الوعي و العقل و الذات ، تبلور شخصية المثقف نحو الإنفتاح و حرية السؤال ، تصيغ المفاهيم بلغة راقية و إسلوب سام .. نقد العقل العربي ، قضايا الفكر العربي ، الديمقراطية و حقوق الإنسان ، مسألة الهوية ، قضايا الفكر المعاصر (العولمة ، صراع الحضارات ، العودة إلى الأخلاق ، التسامح ، الديمقراطية و نظم القيم ..)
أتحسر على رحيـله .. ما أحوجنـا إلى وجوده و إطلالته من حين لأخر ..

فـاخـر النـحـال | 04/05/2010, 13:06 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba