من سوء حظي انني اتعامل مع شبكة الانترنت يوميا منذ عام 1995، وهو العام الذي دخلت فيه الشبكة للاردن، ويؤرخ له كبداية لـ"فقاعة الانترنت" في العالم...
خلال تعاملي مع الشبكة اكتشفت، وهذا ليس جديدا، ان معيار النجاح على الشبكة هو ما يسميه المتمرسون في الكتابة للانترنت بالمبدأ الاول لهذه الكتابة وهو :" Be Sexy
، والسكسية هذه لا تعني "الجنسية" بمعناها "الجسدي"، وان كانت هذه "الجنسية" و "التعري" او "الاباحية" هي السبب الاول في رسم "معيار" النجاح على الشبكة.
make the frog sexy
اذا اردت ان تنجح على الشبكة فعليك ان تصبح مثل ممثلي او مخرجي او صانعي افلام "البورنو" . ففي الكتابة السياسية والاجتماع والاقتصاد يجب ان تكون "متعريا"، من مثل:
استخدام لغة خفيفة ووقحة وهجومية، تلاعب بغرائز الناس، اكتب ما يمليه شباك التذاكر، او الجمهور عايز كده" وكن كاتبا "شخصيا" اي تحدث بضمير "الانا". او استخدام صور "صادمة" حتى الجرح، وهو ما اصبح يسمى في لغة النقد الاعلامي "بورنو القتل" مثل فيديوات وصور "قطع الاعناق" او صور الاطفال ضحايا الحروب او ضحايا الجرائم وغيرها، او اذا اردت النجاح فما عليك سوى ان ترفع سقف النقد، محقا كان ام لا، او ان تستخف دمك وتصبح "كاتبا ساخراً"، هؤلاء هم الناجحون على الشبكة.
باختصار،،
ما تعلمته من التعامل مع الشبكة، وما عرفته من الدراسات ايضا، ان معاير النجاح على الشبكة، للكتابة والكاتب والموقع، وكلمة سر النجاح هو: "البورنوغرافيا"...
لو كنت كاتبا "مترعاً" بالثقافة وحاولت الكتابة بلغة رفيعة وعن موضوع جاد، كاتبا عميقا، وكتبت مقالا او تحليلاً يتطلب اعمال العقل فلا تتوقع ان يصلك اكثر من ثلاث تعليقات،
يعتقد بعض الناس، او بعض "المفكرين" الذين يكتبون "مقالات" او "تحليلات" مطولة ومعمقة وتصلهم ردود فعل كثيرة انهم مقرؤون، وهذا اعتقاد ثبت خطؤه على الانترنت فقاريء الانترنت "كسول وانتقائي ومسحي واناني" هو يقرأ هؤلاء بطريقة مسحية يبحث عن عبارة هنا او هناك في النص "تؤيد" فكرته المسبقة عن الكاتب. لذلك يشيع سوء الفهم وتخرج التعليقات بغير ما يقصد او يشتهي الكاتب.
هذا الامر يذكرني بكيفية تعامل اغلبية الناس مع شعر محمود درويش، فقد يستمع اغلب الناس للشاعر منتظرين اللحظة التي سيقول فيها كلاما مباشرا عن "القضية" ليعلو التصفيق، وعندما لا يقول هذا الكلام يصاب السميعة بالاحباط ويطلبون منه اعادة قصائد قديمة مثل "سجل انا عربي" او "عابرون في كلام عابر" لارضاء انفسهم وارضاء تصورهم المسبق عن درويش كشاعر "قضية" وبهذا المعنى فان درويش هو من اقل الشعراء مقروئية او انه يقرأ بـ"انتقائية"...
قبل ان اواصل تدوين انطباعاتي هذه، اريد ان اقول ان هذا الامر لا يعني ان "قاريء" الانترنت هو قاريء "عديم الثقافة" او عديم الاهتمامات العامة، بالعكس تماما...
هناك عدة تفسيرات توصلت لها الدراسات في هذا الصدد:
لقد عممت الانترنت بوصفها وسيلة "فردية شخصية" فكرة "الاباحية" في كل شيء، كونها اول وسيلة اعلامية تخرج عن كل الخطوط الحمر في موضوع "الجنس".
وقد صارت مواقع الاباحية الجنسية هي الاكثر زيارة في كل العالم بما في ذلك الدول التي لا تعاني من "الكبت الجنسي"، وحتى استخدام محركات البحث التي تحتل الصادرة في عدد المستخدمين فان غالبية مستخدميها يبحثون عن ما هو "اباحي".
اباحية الشبكة "المطلقة" سحب نفسه على كيفية استخدام الشبكة، وكلما كنت اباحيا كلما حققت النجاح.
في ترتيب المواقع الاكثر زيارة على الشبكة تاتي مواقع"الشبكات الاجتماعية" مثل فيسبوك وتويتر وغيرها ثانيا، وهذا دليل اخر على "اباحية" الشبكة حيث تتعرى الناس على هذه المواقع وتفقد بمحض ارادتها كل خصوصية،
وقد ثبت، ايضا، ان الهدف الاول من استخدام الشبكات الاجتماعية هو التعارف وطق الحنك...
الانترنت هي اول وسيلة اعلام، فردية، بمعنى هي الوسيلة الوحيدة التي يستطيع الانسان ان يتعامل معها بشكل شخصي، فالتلفزيون مثلا هو وسيلة عائلية او جمعية وكذلك الحال مع الصحف والراديو، الا في استثناءات محددة مثل سماع الراديو بشكل منفرد في اواخر الليل، لذلك تركز الاذاعات على البرامج " الشخصية والنفسية والعاطفية والخفيفة" عندما ينتصف ليل المستمع.
الامر الثاني هو ان المشتغلين على الانترنت اعطوا الناس الانطباع بانهم "يقولون ما لا يستطيع غيرهم قوله"، وقد خلق هذا انطباعا عند الناس بانهم سيجدون على الشبكة ما لا يستطيعون العثور عليه في وسائل الاعلام الاخرى، وقد صار شائعا القول:" خلينا نشوف شو كاتبين على الانترنت".
هذا الامر فرض على المشتغلين على النت البحث الدائم عن كل ما هو "مختلف" على قاعدة "خالف تعرف". وقد صار سلاحا ذو حدين،
ففي ظل التنافس على "قول ما لا يقال" سقط اغلب العاملين على الشبكة في فخ العجلة وفخ الخروج عن كل تقليد مهني، وقد اضر هذا الامر بهم اذ صارت الانترنت، او المواقع الالكترونية، عرضة للتشكيك بمصداقيتها. وصار شائعا القول عند بعض الناس القول" قرأت هاد الشي على الانترنت" بتهكم.
صحيح ان الناس صارت تقبل على القراءة على الانترنت اكثر الا انها صارت اكثر ميلا للتشكيك في دقة معلومات الشبكة، لذلك تبحث دائما عن معلومات اكثر، لكنها لا تجد، لسبب سوف اوضحه لاحقا...
السبب، هو ان هذه المنافسة خلقت تشابكا غير مسبوق في شكل ومحتوى المواقع الالكترونية، ولو مررت صباح او مساء اي يوم على المائة وعشرين موقعا محليا على الشبكة فستجد نفس المحتوى تقريبا، وهي بهذا المعنى صارت تقدم للناس "معلومات اقل" في "مواقع اكثر".
او بمعنى اخر، فقد صارت الناس تحت وهم انها تعرف ادق تفاصيل ما يجري، وهو امر صحيح نسبيا، لكن هذه المعرفة اتت من خلال "معلومات اقل" وهناك فرق بين "المعرفة" و "المعلومات" وبين "المعرفة" و "الفهم"...
في ظل هذه "المعرفة الاكثر" فقدت الناس قدرتها على تكوين صورة عامة لما يجري ، بل فقدت القدرة على التوقع والتنبؤ، وصار شائعا ايضا القول" ربنا وحده بعرف شو عم يصير"، رغم كل هذا الكم الهائل من تدفق "المعلومات"...
اما من ناحية الشكل، فاغلب المواقع، اكثر من 90% منها لها نفس الشكل، وهي اشكال او "قوالب" معدة سلفا وبعضها موجود مجانا على الشبكة، ويعرف المصممون ان تصميم المواقع المحلية بهذا الشكل جاء
لعدة اسباب: ضعف المبرمجين، وتلحيق السوق، وتخفيض الكلفة، والمنافسة بالايحاء للقاريء ان الموقع الفلاني مثل الموقع العلاني "الناجح".
لقد عممت الانترنت بوصفها وسيلة "فردية شخصية" فكرة "الاباحية" في كل شيء، كونها اول وسيلة اعلامية تخرج عن كل الخطوط الحمر في موضوع "الجنس".
اباحية الشبكة "المطلقة" سحب نفسه على كيفية استخدام الشبكة، وكلما كنت اباحيا كلما حققت النجاح.
مرة اخرى، الاباحية او التعري او "البورنوغرافيا" لا تعني هنا الموضوع الجنسي الجسدي، فكما قلت سابقا فقد صار معروفا في لغة النقد الاعلامي مصطلح الاباحية بوصفه ينطبق على كل ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي، او بمعنى اخر "تكسير كل الخطوط الحمر" و "ارضاء نزوات القاريء او المستخدم واشباع نهمه الى معرفة مختلفة" تم تفسيرها، بسبب طبيعة الشبكة، بالاباحية.
فاصل،،،
بالنسبة لي صرت احيانا اتوقف طويلا امام التدوينات التي تحصد عدد اكبر من التعليقات، وقد لاحظت انها اقل تدويناتي جودة واكثرها "سخفا"...
كنت معي صديقي الفنان التشكيلي محمد الجالوس، وكنت احفزه على استخدام "الشبكات الاجتماعية" للترويج لاعماله الفنية او للتعريف بفنه اكثر.
وقد اشتكى صديقي من نفس الموضوع، فاللوحات الفنية الاكثر فنا وتجريدا لا تجد صدى فيما لوحات "الووتر كلر"، وهي لوحات في عرف الفنان لا تنطوي على قيمة فنية عالية، هي التي تنجح.
ما علينا،،،
المهم، ان "فردية" الانترنت هي التي اطلقت "سكسية الانترنت" وهي التي فرضت على العاملين على الشبكة ان يكونوا اباحيين في الشكل والمضمون.
اذا كانت وسائل الاعلام التقليدية، خاصة الاميركية منها هي التي فرضت صدارة "الجنس والجريمة" فان الانترنت هي التي اعطت "الجنس والجريمة" كل هذا التعري، فصار العاملون على الشبكة لا يأبهون في الخوض في ادق التفاصيل البشعة والمؤلمة وتحميل اكثر الصور وملفات الصوت والفيديو الاكثر بشاعة.
مشكلة "الانترنت" هي انها بدات تعكس نفسها على "الكتاب" و "الرواية" تحديدا، فقد صار الرائج في عالم الكتب هو "الاباحية" بضرورة ومن غير ضرورة، وقد صارت الاباحية مدخلا للـ"بست سيلر" او "الاكثر مبيعا"
وفرضت الانترنت لغتها وطريقة كتابتها على عدد من الكتاب والروائيين، الكاتبة أحلام مستغانمي عنونت اخر كتاب لها "نسيان دوت كوم"، وكتبت محتواه بطريقة "انترنتية" لتلحق سوق الانترنت. طبعا هذا مثال، والامثلة كثيرة مثل تحويل عشرات المدونات بعجرها وبجرها إلى "كتب".
او النجاح الساحق لكتابة "بنات الرياض" وهو في الأصل مجموعة من الايميلات تداولتها الكاتبة "رجاء الصانع" مع زميلات لها...
المهم،،،
من كل اللت والعجن السابق، اريد ان اصل لنتيجة وهي ان الانترنت، والى حد كبير وسائل الاعلام الاخرى، التي صار لها مواقع على الشبكة، ليست الوسيلة الفضلى لنقاش الامور الجدية في الحياة، لا بل هي وسيلة "تسطيح"...
امر اخر، فرضت تكنولوجيا الكمبيوترات، وخاصة الشاشات المستخدمة نفسها على طريقة قراءة الانترنت، وقد جعلت من قاري الانترنت قارئا "كسولا" لا يقرأ "كلمة كلمة" انما قراءة "مسحية"، عينه تقفز من فقرة لفقرة بحثا عما يريد لا بحثا عما يقدم، وهو قاريء :" كسول، اناني وتفضيلي" بحسب اكبر خبراء الانترنت جاكوب نيلسون.
هو كسول واناني وتفضيلي ايضا لان الانترنت صارت اكبر وسيلة معرفية عرفتها البشرية، وصار بامكان القاريء العجول والكسول تقليب مليارات المواقع على الانترنت بكبسة زر، لذلك لا يطيق قراءة ما ينبغي بل قراءة ما يريد ان "يتأكد" منه.
بهذا المعنى فان الانترنت قضت نهائيا على "الشك" وعلى البحث عن ما هو "مخالف" للتصور المسبق لدى القاريء كوسيلة لاختبار صحة فكرته، وعززت طريقة البحث عن "التفاصيل" التي تدعم الافكار المسبقة، وهي بهذا المعنى قللت من احتمال المعرفة او من القدرة على تحويل المعلومات الى معرفة وتحويل هذه المعرفة الى قوة.
يعني اذا كانت الانترنت قد منحت الناس "المعرفة" الا انها زادتهم حيرة، وقللت من فرصهم في استخدام هذه المعرفة.
كان وزير الدعاية النازية الشهير غوبلز يقول:" كلما سمعت بكلمة ثقافة اتحسس مسدسي" واعتقد انه لو بقي حيا لقال الان: "اشكر الرب انه منحنا نعمة الانترنت لاستغني عن المسدس"...
Nice Article Abu Omar, it really characterizes the current internet or media situation. But what is the solution? The internet media will keep posting more "sexy" news with no depth, and the user does not want to engage himself in anything serious. It is a dilemma.
Anyways, I hope we reach to a level where we start seeing more and more serious content on the internet.
One last question, where is you previous blog?
Mohammad | 17/06/2010, 15:25 [ الرد ]