ما الذي يعنيها من ماضيك، وكيف لها ان تفهمك، فلماذا تتحدث عنه امامها إذن، فعندما كنت في العشرين من عمرك ترتكب افعالاً سوف تتحول لاحقا الى كوابيس تقض مضجعك وتسلبك طعم النوم، كانت لا تزال في قماطها...
كلما رأتني حزينا أو مستاءً جعلت تسرف في الحديث عن "حب الحياة" و "الموت الداخلي"، وانا لم افهم بعد معنى هذه المفردات، لم اعرف بعد ما هو الحب وما هي الحياة، وكيف لا أكون ميتا من الداخل وقوياً قادراً.
بلغت من العمر عتيا، أوشكت أن أقع في أرذله، ملامح الشيخوخة بدأت تظهر: ساقان كعودي كبريت لا تقويان على حمل جثة هرمة، بصر لا يرى ابعد من أرنبة الأنف، بصيرة لم تعد تشتعل، شعر يتساقط بكثافة ويشعله الشيب، ذاكرة للنسيان، قضيب للتبول فقط، كرش منتفخ كجثة بودلير، وظهر لم يعد جملاً للمحامل. كهل لا يحلم باكثر من العودة للبيت بربطة خبز بعد ان كان يحلم بالثورة...
مع ذلك، كل هذا ليس مهماً، المهم كيف بدأت والى اين انتهيت؟
اشعر برغبة عارمة في ندب نفسي...!
من أين أتتني هذه الرغبة في ندب النفس...
كنت صباحا انهي رواية البيروفي الحائز على جائزة نوبل اخيرا، ماريو بارغاس يوسا، قصة مايتا. وقبلها بايام كنت قرأت رواية الشاعر الاردني امجد ناصر، "حيث لا تسقط الامطار".
الروايتان تقعان في تصنيف واحد عندي، سيرة ذاتية فيها الكثير من الواقع والكثير من المتخيل ايضا، او فيها "كذب" على ما يستهوي يوسا القول.
التشابه بين يوسا وناصر في سير الحياة واحد، وهو يتقاطع مع جزء كبير من حياتي الشخصية.
شباب في العشرينات من العمر بدون نظارات طبية، انتبهوا الى كم الظلم الواقع على اكثرية البشر، والى صمت "الله" وسكوته عن الظلم هذا.
يوسا او "مايتا" ريفي خجول قدم الى مدينة "ليما" عاصمة البيرو، وانتمى لاحقا الى حزب العمل الثوري (التروتسكي) الصغير.
امجد ناصر، او يحيى، بدوي قدم الى عمان من المفرق، شابا وانتمى الى حزب العمال الثوري، على ما اعتقد.
كلاهما، او جميعنا، آنذاك، كنا نعتقد ان تحريك "قوة الجماهير" ودفعها للثورة، يحتاج الى "سويتش"، إلى عمل ثوري صغير.
او كما كان يقول فيديل كاسترو عن الهجوم على قلعة المونكادا، في 26 تموز 1953، حين كان لا يزال شابا أرثوذكسيا مغامرا:
Echar andar el motor penguin, para echar andar el motor grande
"
تحريك الموتور الصغير لاجل تحريك الموتور الاكبر"...
او كما وصف لينين ثورة "1905" بانها كانت "بروفة" لثورة "1917" التي هزت العالم في عشرة ايام...
اليوم لم يعد احد يحفل بسير "الثورات"....
الثورات ومباريات كرة القدم هما الشيء نفسه بالنسبة اليه"، من رواية يوسا...
على أي حال، يوسا او "مايتا" تعرف في شبابه الى ضابط في الجيش البيروفي وخطط معه هجوما مسلحا على "حامية خاوخا" العسكرية، العاصمة الاولى للبيرو، لكي يدير الموتور الصغير.
عملية "خاوخا" فشلت، واتخذتها السلطات ذريعة للفتك بقوى اليسار. ولاحقا تنصل منها كل رفاق "مايتا" الذين اقروها في اجتماع اللجنة المركزية للحزب، واعتبروها مغامرة فردية، ولمزيد من التنصل اطلقوا الشائعات على "مايتا" الذي اعتقل بعدها: عميل للاستخبارات الاميركية والمحلية، شاذ جنسيا ...الخ
امجد ناصر، يحيى في الرواية، الشاب الثوري، خطط، ايضا، لعمل ثوري "عسكري" لم اعد اذكر ما هو الان، واضطر للهروب من الاردن الى لبنان بعد ان حكم عليه غيابيا، بقي في لبنان حتى "حصار بيروت عام 1982"، ثم واصل رحلة المنافي ليستقر صحفيا في صحيفة "القدس العربي" محررا ثقافيا لها وشاعرا احتل مكانة مرموقة.
يوسا، الروائي الاشهر في اميركا اللاتينية، او "مايتا" في روايته اكتشف لاحقا ان "اليسار" ليس السبيل الى الحل، وان العنف لم يفعل شيئا، ولم يفجر "هجوم خاوخا" الثورة، بل ان ما حصل في البيرو هو اضافة العنف الى الفقر والبطالة.
تحول "يوسا" الى اليمين، وصار من ضمن "المحافظين الجدد"،،،
بالمناسبة جميع اقطاب "المحافظين الجدد" في ادارة الرئيس الاميركي السابق جورج بوش اتوا من أحزاب تروتسكية، وتحديدا من "خلايا نيويورك" اليهود بالأخص.
وعلى كل، ليس غريبا ان يكون منظرو "العصبيات الاقليمية" في بلدنا العزيز من "ايتام اليسار" وتحديدا ايتام "يسار الفجل" اقصد "شيوعيين المظلة"
امجد ناصر، بقي "يساريا" بشكل عام، لكن اغلب رفاقه "ابو طويلة" تحولوا الى اليمين، ا والى "يسار بقلب يميني".
يوسا، بقي مؤمنا بالعمل السياسي، ورشح نفسه لانتخابات الرئاسة في بلاده وخسرها امام منافسه فوجيموري، الياباني الاصل، والهارب من البيرو الان بسبب فضائحه وفساده.
يسار اميركا اللاتينية تحول خلال حقب الطغم العسكرية في سبعينات وثمانينات القرن الماضي الى "اليمين"، لكنه عاد الان الى تصحيح نفسه منقسما بين يسار وسط كما هي الحال في البرازيل مع لولا دي سليفيا، ويسار "ثوري" كما هي الحال مع هوغو شافيز في فنزويلا...
امجد ناصر، عاد الى الاردن، عاد الى بلاده بعد رحلة المنافي، او طريق ايثاكا، لكنه فقد كل رغبة في العمل السياسي المباشر، ورفض اقتراحات صديقه "ابو طويلة" بالانضمام الى "ركب الدولة" الاخذه بالتفكك بسبب ضعف شخصية وخبرة "امر الحامية الجديد" ولاسباب اخرى.
امجد ناصر لا يقول في روايته اسم البلد التي يتحدث عنها ويصفها بـ"الحامية" لكن من يقرأ الرواية يعرف انه يقصد الاردن، ومع ذلك فهي حالة لا تقتصر على الاردن فقط، بل على اغلب الدول العربية...
بين يوسا وناصر تاريخ مشترك، لكن ما ليس بينهما هو "اغتراب المثقف"، فيوسا اصر على البقاء في السياسة والعمل المباشر، واحزاب اميركا اللاتينية "صححت نفسها" او جلست نفسها وعادت الى حكم بلادها بقوة الانتخابات والديمقراطية، لا بقوة العنف والكفاح المسلح و"تحريك الموتورات الصغيرة".
يسار اميركا اللاتينية تعلم عدم البحث عن "التراجيديات" الكبرى والصغرى...
عندنا لا يزال "اليسار" ينبض بقلب يميني، ولا يزال المثقف حائرا مثل "حمار بوريدان" التائه بين كومتي القش عن يمينه وعن يساره، يسار من قلة الاحصنة شدوا البردعة ع الحمير...
يسارنا كان دائما يستهويه القول ان "التاريخ ، او الاحداث، جاء ليثبت صحة مواقفنا"، بس التاريخ طلع مش مخصي مثل ما كانوا يعتقدو، واللي حصل انه :"أجا التاريخ طعمانا كفّ"..
المهم...
انا وين كنت وين صرت. انا حالي اسوأ من كل اليسار فندب النفس والبحث عن التراجيديات صنعتي...
واحد ماسوشي صحيح )))))))
ما بداوي اليسار الاردني الا يسار اردني!
زيزو | 23/11/2010, 16:02 [ الرد ]