قبل سفري الى لبنان واقامتي هناك لم اكن اعرف طعم القهوة، كنا نشرب الشاي، وعادة ما يكون مغليا اكثر من مرة...
القهوة في تقاليد اسرتنا الفقيرة كانت للضيوف، وهي قهوة "شقراء" عادة، كانوا يشترونها من "دكانة طلعت"، الدكان الاشهر في ميدان مخيم الوحدات.
كانت قهوة كتلك التي يصفها غالب هلسة في رواية "سلطانة"، تتحول الى مياه صفراء بمجرد صبها في الفنجان.
وعليه، لا احن لقهوة امي، اذ لا اذكر انني رأيتها يوما تعد القهوة لاحد...
لكني احن اليوم الى قهوة ابنتي "ميسو" فهي افضل من يعد القهوة، وقهوة "ميسو" محمصة، من اجواد انواع البن، تكفي رائحتها اثناء الغلي لاستيقظ..
كلما زرت البيت في الحسين اصر على "ميسو" ان تعد لي القهوة، ولكن ليس قهوة الصباح طبعا، فلم يحصل اننا استقظنا ذات اي صباح سوية...
في بيتي حيث اسكن لوحدي لا اعد القهوة، فانا شخص ملول ولا امتلك صبرا على غلي القهوة وتقاليدها المملة كما يفعل محمود درويش مثلا..
اعد القهوة حين يطلبها ضيفا على بيتي...
احب القهوة، واحب ان اتسكع في عمان،وحيدا او مع صديق، واحب الذهاب الى المقاهي، لكن اغلب "كوفي شوبات" عمان الغربية لم تعد تقدم القهوة التركية، وان قدمتها فلم يصدف ان اجابوا طلبي بغليها، وانا اكره ان يكون للقهوة"وش"، بحب القهوة بدون وش او وجه..
زمان علمونا في المدرسة :" انا المحبوبة السمراء واسقى بالفناجين وعود الهند لي عطر وذكري شاع في الصين"...
ومع ذلك لم نكن نشرب القهوة ولم اذق يوما قهوة امي، ناهيك عن لمسة امي بالطبع...
طيب...
لكن هناك نوع قهوة اخر، كنت اشربه في كوبا عندما كنت ادرس هناك، تذكرته اليوم وانا اقرأ خطاب راؤول كاسترو، شقيق فيديل كاسترو، وخلفه ونائبه في مناصبه، رئيس الدولة، القائد العام للجيش، امين عام الحزب الشيوعي الكوبي...
راؤول كاسترو، الذي كان شيوعيا قبل فيديل، القى مؤخرا خطابا جامعا مانعا امام اجتماع موسع للحزب.
اعترف راؤول بالكثير من "اخطاء الثورة"، وخاصة تأميم كل الملكيات الخاصة بما فيها البسطات، ودكاكين واكشاك توزيع الكتب والصحف..الخ
بعيدا عن الخطاب الذي يبشر باصلاحات كثيرة، خاصة في مسألة اعادة النظر في ملكية الاراضي الزراعية والملكية الخاصة ككل والمصالح الصغيرة واصلاحات اخرى قد تضع كوبا موضع الصين حاليا، شيوعية بالاسم فقط..
بعيدا عن هذا، اضحكني كثيرا ما قاله راؤول كاسترو عن القهوة...
عندما كنا في كوبا كانوا يوزعون القهوة بـ"الكوبون" على البطاقة التموينية، للفرد ما يقارب 150 غرام قهوة شهريا، بما في ذلك الاطفال الرضع، طالما هو مشمول بالبطاقة التموينية.
كان الكوبيون يشربون القهوة في فناجين صغيرة تعادل حجم "كشتبان" خياطة، وكان ثمن هذا الكشتبان "5 سنتافو"، البيزو يساوي 100 سنتافو...
صحيح انه حتى ذلك الحين لم اكن "مش شريب قهوة" لكننا، العرب في كوبا، كنا نشتكي من طعم القهوة الكوبية، وكنا نعتقد انهم يخلطونها بشي ما ربما "حمص"، او شيء اخر، كما يفعل تجار القهوة في الاردن مثلاً...
لكن الكوبيين كانوا يرفضون ما نقوله ويعتبرونه "دلالاً" وتاثرا بالاستهلاك البرجوازي...
اليوم فهمت سر "خلطة القهوة الكوبية العجيبة"...
يقول راؤول ان كوبا ستعود الى استيراد القهوة المخلوطة بالبازيلاء المحمصة، لتوفير النفقات في دعم السلع الاستهلاكية، ذلك ان كوبا التي كانت تستورد قهوة البازيلاء المحمصة، بدأت تستورد وتوزع القهوة الصافية على البطاقة منذ عام 2005 وحتى الان، وهو ما يكلف الدولة مبالغ طائلة.
يقول كاسترو الشقيق، ان طن القهوة الصافية يكلف نحو 3000 دولار، فيما طن قهوة البازيلاء المحمصة يكلف 300 دولار فقط، اي بوفر 2700 دولار للطن الواحد.
ويضيف الشقيق ان على الكوبين البدء في زراعة القهوة اذا ما أرادوا ان يشربوا المحبوبة السمراء نقية ومغلية.
الان يعترف الكوبيون بان قهوتهم ليست صافية، كما ثورتهم لم تكن "شيوعية" صافية، لدرجة ان راؤول يقول ان كل منظري الماركسية لم يكن لديهم سوى تصورات عامة جدا عن مرحلة "الشيوعية" وعن كيفية بنائها، وهي اي "الشيوعية" التي كان فيديل كاسترو يقول انه على وشك الانتهاء من بنائها في كوبا ، عندما كنت طالبا هناك اي عام 1982...
على اي حال، نحن نستمتع بقهوة صافية من اجود انواع البن البرازيلي والكولومبي وستار بكس، ولدينا اكثر من خمسين نوع قهوة في "الكوفي شوبات"، ونتلذذ في اعدادها والغناء لها، ولا نخلطها بشي، لكن كم ندفع ثمنا لكل هذا الدلال...
الثمن انو ولا ملاك عنا بالمقابل كوبا بلد كلها ملاكين مش هينة هاي
الجمزاوي | 02/01/2011, 13:46 [ الرد ]