قالت لي ماما...!
05 ايار, 2011
تدوينة طويلة مملة، لا معنى لها، كتبتها لاطرد القرف واتوقف عن التفكير بكل القباحة التي تحيط بي من كل جانب، لا اكثر ولا اقل...
ها أنا الآن هنا. منذ اسبوع، أي منذ انفصالي عن زوجتي، وأنا أقيم في شقة ماما التي في وسط البلد.
وهي شقة، على أي حال، لا تعود لماما وحدها بل هي "بيت العائلة" الذي تركه بابا لنا بعد وفاته قبل أعوام كثيرة. وتركناها نحن لماما لتعيش فيه وحدها بعد أن تزوجنا جميعا وتفرقنا على ضيع وبلدان شتى.

منذ حضرت للشقة اختارت لي ماما أن أنام على الصوفا التي في الصالون، وليس في إحدى الغرف الكثيرة للبيت الفسيح.

لم تقل ماما هذا صراحة. أي لم تقل لي: عليك أن تنام في الصالون. بل عملت ذلك بطريقتها الخاصة، فمنذ الليلة الأولى أحضرت لي وسادة وغطاء وألقت بها على الصوفا، وحاولت أن تفتحها بنفسها، ففهمت أنها تريدني أن أنام هنا وليس في أي مكان آخر من البيت.

حينها لم أدرك السبب الذي جعل ماما تختار لي هذا المكان لأنام فيه، وقد أخذت الأمر بشكل عادي، لا بل لم أفكر به مطلقا، واستسلمت لرغبتها.

كما أن ماما لم تعرض عليّ أن افرغ حقيبة ملابسي التي أحضرتها معي في إحدى الخزانات التي كنا نستعملها قبل زواجنا وتفرقنا وبقيت في غرف نومنا، بل قامت بجرها، إذ أنها من نوع الحقائب المزود بعجلات سوداء صغيرة، إلى الركن البعيد في الصالون، وكأنها تقول لي إبقها هنا.

وماما، التي كانت تتصرف كما لو ان البيت بيتها، حددت لي المساحة التي كان علي أن أتحرك ضمنها في بيت العائلة، الذي كدّ والدي في بنائه بالتعاون معنا، اذ كان يجبرنا على العمل خلال دراستنا، ومن خلال استغلال مهور شقيقاتنا الثلاث، ومن التقتير علينا في المصروف، وكل ذلك لأجل تأمين سقف يأوينا ويعفينا من شر المؤجرين.

وما كاد والدي ينتهي من بناء البيت الفسيح، الذي كان مفترضا به ان يكون ملجأ لنا، حتى تزوجنا جميعنا وخرجنا الى بيوتات مؤجرة في الضواحي البعيدة للمدينة التي بالغت في التوسع اثر طفرة العقارات الأخيرة، ولم يعد بالإمكان استئجار بيت في وسط البلد ناهيك عن امتلاكه.

وأفهمتني ماما أيضا أن بإمكاني استخدام حمام الضيوف القريب من الصالون فقط، مع شرط المحافظة على نظافته ومسح أرضيته كلما دخلت للاستحمام.

وقد وضعت لي منشفة خاصة وذكرتني بضرورة ان لا استخدم اي من حاجياتها رغم عدم ضرورة تذكيرها هذا بحد ذاته، إذ أن ماما لم تكن تضع أي من هذه الحاجيات الخاصة بها في حمام الضيوف.

وسمحت لي ماما في تساهل عجيب باستخدام المطبخ، لم يكن الأمر كرم أخلاق منها فقد كانت تستغلني في تلبية طلباتها التي لا تنتهي خلال السهرة، فطيلة السهرة لا تكف عن الطلب مني ان اعد لها شايها وقهوتها ومشاريبها وسندويشاتها ونقولها وتجميع وغسيل الأواني المستخدمة، وإفراغ سلة المهملات التي بجانبها.

وماما لم تكن كبقية الأمهات اللواتي يظهرن حنانا تجاه أولادهن، فهي لم تكن تطلب مني ان اخدمها بمودة. كأن تقول لي : الله يرضى عليك يا ماما يا سامي تعمل لي كاسة شاي.
 
بل تنظر إلي من فوق نظارتها النصفية السميكة، وترفع حاجبيها، وتقول: ما صار وقت تحرك حالك بدل ما انت قاعد بلا شغلة ولا عملة وتعمل لي كاسة شاي.

لم تعرض علي ماما أن تعطيني نسخة من مفاتيح البيت، فكان علي كلما أردت العودة ان اتصل بها مسبقا لأتأكد من وجودها.

وذكرتني ماما بأنه يتوجب علي أن لا أتأخر في العودة الى البيت مساءً، وحددت لي الساعة الثامنة كحد أقصى للعودة. فهي، كما أوضحت، تنام باكرا وتخشى أيضا من ان ينتهك أحدا حرمة البيت فيما لو أبقت الباب غير مغلق بالمفتاح والرتاج.
وخلال سهراتنا في الصالون كانت ماما تلبس فستان نومها القطني المورد، وجواربها السميكة، وكنزتها الصوفية، لا يختلف عليها هذا الملبس صيفا أو شتاءً، وتجلس على مقعد "الريكلاينر" البني اللون الذي أهديته لها في عيد ميلادها السبعين قبل عامين.

تضع ماما نظارتيها السميكتين بقربها، تستعمل واحدة للنظر في الكتاب الذي تحرص على أن يبقى إلى جانبها، تحملق فيه بضعة دقائق قبل أن تتركه يسقط في حضنها، أو تنظر في الموبايل الذي لا يكف عن الرنين إما بمكالمة وإما برسالة قصيرة. فيما تستخدم نظارتها الاخرى لمتابعة المسلسل التركي "العشق الممنوع"، وكلما مر مشهد ما وترك فيها اثر ترفع نظارتها قليلا وتمسح دمعها بمنديل ورقي من كومة كانت تكومها بجانبها.

وكانت ماما أثناء سهرتنا وكلما شعرت انني مهتم بأمر ما يعرضه التلفاز اتصلت بإحدى صديقاتها وبدأت معها مكالمة لا تكاد تنتهي بصوت مرتفع، كما لو انها كانت لا تريدني التركيز بما لفت نظري مما يعرض.

ورغم ان ماما مولعة بالارجيلة، واحيانا تدخن سيجارة أو سيجارتين مع قهوتها الصباحية أو مع النبيذ في سهراتها الخاصة، الا انها كانت طيلة مدة إقامتي معها تجبرني على التدخين في البلوكونة، وكان علي أن اخرج في البرد كلما شعرت برغبة في التدخين، وهي رغبة لا افتقدتها أبدا بسبب إدماني.

ولم أكن أدخن براحتي إلا عندما تدخل للنوم في حجرتها حينها ابدأ التصرف بقدر اكبر من الحرية.

وعادة ماما أنها كانت تغفو وتأخذها سنة من نوم قبل نهاية المسلسل، لذلك فقد كانت حريصة على متابعة الإعادة في اليوم التالي.
وعندما كانت تغفو على "الريكلاينر" يقع رأسها مائلا بدرجة كبيرة على صدرها وتبدأ بالشخير، وتسقط نظارتها في حضنها، ويسيل لعابها على طرف فمها حيث يميل.

تقول لي ماما قبل أن تختفي في الممر الواصل إلى غرفة نومها: لا تنس أن تفرغ منفضة سجائرك في سلة القمامة، وتأكد من عدم وجود أي منها مشتعلة، واخرج كيس الزبالة خارجا، وضعه على بسطة الدرج، وافتح شبابيك البيت للتهوية، ولا تنس أن تغلق الباب بالمفتاح والرتاج الداخلي. وتذكر أن تجمع فناجين القهوة والصحون من الصالون ولا تنسى غسلها ومسحها وإعادتها إلى أمكنتها في المطبخ.

تقول ماما إن رائحة سجائري تضايقها وأنها تبقى في البيت والأثاث، مع ان رائحة تبغ ارجيلتها المعسل يفوح من كل زاوية في البيت ويجعله كما لو انه مقهى من تلك المقاهي الكثيرة التي انتشرت مؤخرا في وسط البلد.
تقول لي ماما أيضا: لا تنسى ان تطفئ اضوية البيت والتلفزيون، وصوبة الغاز. وتذكرني بان أسعار الكهرباء والغاز ارتفعت كثيرا وان راتبها وراتب بابا التقاعدي لم يعد يكفي للحد الادنى من المصاريف.

  ماما لا تنسى أن تلقي علي مواعظها وإرشاداتها هذه قبلما تخلد إلى نومها، لكنها تنسى دائما أن تقول لي: تصبح على خير، فما تبقى من ذاكرتها الانتقائية لا يتيح لها أن تتذكر الكلام العاطفي.

ورغم ان ماما لم تكن تحب زوجتي، لا بل كانت دائمة تحريضي عليها. ورغم أنها كانت تعرف أن الخلل في عدم الإنجاب بسببي انا، إلا أنها كانت تحملها المسؤولية وتطالبني بتطليقها والبحث عن زوجة اخرى لتحظى برؤية أحفاد لها مني.

ومع ذلك فمنذ أقمت معها وماما لا تحدثني خلال سهراتنا إلا عنها ولا تكف عن مدح زوجتي، واستذكار خصالها الحميدة، وصبرها على نزقي ومزاجي وعبثيتي، بحسب أقوال ماما أو انطباعها عنيّ.

هكذا فرضت علي ماما نمط حياتي عندها، وكأنها أرادت أن تشعرني منذ البداية أن وجودي مؤقت وغير مرغوب، وماما لم تكتف بذلك، وبدأت في مضايقتي بكل شيء. اعتقد أن ماما كانت تخشى أن تطول مدة إقامتي معها. لكني لم أكن اعرف سببا لضيقها من مشاركتي لها الشقة.

كانت ماما حريصة على إشعاري بأنني شخص غير مرغوب فيه. أو غير مرغوب بإقامتي معها، على الأقل. علماً بأنني لم أكن انتوي الإقامة الدائمة عندها، فقد كنت اخطط إما للعودة إلى زوجتي، أو البحث عن بيت خاص لي، وكنت ابحث يوميا عن هذا البيت.

كنت اعتقد أن ماما سوف ترحب بقدومي والعيش معها للتخلص من وحشتها في أواخر عمرها. وكنت اعتقد ان ماما بحاجة رفقة وقد عرضت عليها ذات مرة ان تقوم بتأجير إحدى غرف البيت لطالبة او عاملة لتؤنس وحشتها لكنها رفضت عرضي بشدة.

واليوم ومع نهاية الاسبوع، وعندما كنت أوقع عقد إيجار الشقة الصغيرة التي عثرت عليها بالقرب من بيت ماما، اتصل بي أخي من قسم الطوارئ بالمشفى الذي يعمل به واخبرني أن ماما ماتت، وان عامل النظافة الذي اعتاد ان يمر عليها ظهر كل يوم، وجدها جثة هامدة على بسطة الدرج فوق كيس القمامة الأسود.

تعليقات

Comment Icon

شو هاظ

شو | 05/05/2011, 13:59 [ الرد ]

Comment Icon

وين التعليق

وين | 05/05/2011, 14:03 [ الرد ]

Comment Icon

Such a caring person, Allah yir7amha... she reminds me of my mother... or maybe all mothers are the same...

Sa3d | 06/05/2011, 01:46 [ الرد ]

Comment Icon

يعني مقدرين انه الاوضاع السائدة والتباساتها بتخليك تعوف طيزك بس المدونة هرطقة او رمزية والله ما بعرف بس بأي قصد كتبتها يا اخي الام عظيمة ورائعة -الجنة تحت اقدام الامهات - هي الذاكرة الدائمة والوفاء والفاتحة على ارواح امهاتنا تحت التراب والعمر المديد لامهاتنا فوق التراب

غسان | 07/05/2011, 09:41 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba