ان تستيقظ صباحاً على عنوان "حريق يلتهم قلب عمّان"، يعني ان قلبك يحترق...
فقلب عمّان، الذي هو أسواقها القديمة ليس مجرد اسواق بل تاريخ وذاكرة شعب وأفراد، وذاكرتي انا التي تخصني، وتخص الملايين من أبناء جيلي..
أسواق البخارية والبلابسة في قلب العاصمة تختصر تاريخ تشكل مدينة عمّان التي بدأت مسيرة تحديثها من المسجد الحسيني لتنتشر على جنباته المحال التجارية والأسواق طلبا للرزق حيث تزاحم الأقدام.
أسواق عمان القديمة، ليست محال تجارية انتفع منها أصحابها وحسب، إنها ايضا، وربما قبل ذلك، أطواق نجاة مئات العائلات، قصة نجاة من الجوع كانت بطلتها ماكينة خياطة الـ"سنجر".
قبل ان تتحول عشرات المحال التجارية في هذه الأسواق إلى بيع الاكسسوارات والبضائع "المعولمة" المصنعة تقليدا في شرق اسيا وجنوب شرقها، كانت اغلب محال هذه الأسواق تبيع "كلف الخياطة"..
كانت أمي وشقيقتي "حليمة" التي اقتنت ماكينة خياطة "سنجر" لمعاونة والدي على شظف العيش ولتأمين لقمة خبز وتعليم لأفراد الأسرة، كانتا ترسلاني انا وأشقائي الى هذه الأسواق لشراء كلف الخياطة: ابر خياطة يدوية او صناعية، مكوكات، طبب حرير، إطارات كانافا، اورجانزا، غبير، ماكينة تزييت، كشاكش، مقصات..الخ
وكان والدي يستغل فرصة المرور بالسوق لشراء لوازم الـ"سنجر" في ابتياع فرشاة حلاقة، أو طاسة حلاقة او علبة دخان وورق "للهيشة"، ماركة اوتومان، أو قداحة تعمل بالكاز.
كنت أتحمس كثيرا للذهاب إلى سوق البخارية، اسأل "حليمة" دائما ما إذا كانت تريد شيئا من البلد، كان الذهاب الى وسط البلد رحلة ممتعة..
كانت "حليمة" تدس في جيبي بضعة قروش بعيدا عن عين أمي، وكنت انزل البلد ماشيا لتوفير اكبر قدر ممكن من النقود.
كنت اهبط البلد من أدراج الاشرفية نزولا سقف السيل ثم إلى سوق البخارية، أتسوق حاجيات الـ"سنجر"، ثم اذهب إلى اقرب مطعم واشتري "سيخ كباب" او صحف فول، او اشرب كأس لبن او تمر هندي من أي من المحال القريبة من السوق.
مرات كنت استغل فرصة نزولي الى السوق لأذهب إلى السينما، خاصة عندما كان يتوفر مبلغ كاف لهذه المغامرة التي كنت اعرف إنها سوف تنتهي بعلقة ساخنة من أمي لأنني تأخرت على "حليمة" التي سوف تتأخر بدورها في تسليم طلبية الخياطة.
عندما كبرت، وعدت الى عمّان بعد غربة طويلة، كنت وقد استقلت من التفرغ في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لأسباب سياسية، كنت عاطلا عن العمل، كنت أصبحت اب مسؤولا عن عائلة.
لم أجد امامي أي عمل، فدلني صديقي "خالد" على مهنة "تاجر الشنطة"، واستدنت منه 300 دينار.
بدأت رحلتي الأولى إلى أسواق دمشق القديمة، اشتري كلف خياطة، مثل تلك التي كنت اشتريها لـ"حليمة" واعود بها الى عمّان ابيعها لمشاغل الالبسة التي أغلق أكثرها بسبب منافسة الصين وتايوان.
كنت اسافر الى مشق يوميا، ومرات كنت أسافر أكثر من مرة في اليوم، تعرفت على عشرات "البحارة"، وهم تجار صغار من اهل "الرمثا" والمدن والقرى الاردنية القريبة من الحدود مع سوريا، يقطعون بسيارات مهلهلة المسافة البسيطة بين الحدود، يتاجرون بين البلدين بكل ما يدر دخلا يعينهم على الحياة.
أصبحت أسافر معهم، ومرات كنت اشتري منهم، او اوصي بعضهم بشراء حاجيات لي مقابل هامش ربح بسيط تجنبا لتعقيدات الجمارك فهم كانوا أكثر قدرة على التعامل مع أنظمة الجمارك ورجالها.
كادت تجارتي تزدهر لولا ان الجمارك بدأت عملية تشديد على "تجار الشنطة" و "البحارة"، لم نكن نهرب، بل كنا نستفيد من القانون الذي يتيح للمسافر احضار بضائع بمبلغ 300 دينار او اكثر بدون جمارك.
كنا في بعض الأحيان نزيد البضاعة أملا في تسامح رجال الجمارك معنا تعاطفا مع أوضاعنا، ومرات كنا ندفع جمارك مباشرة على الحدود، لكن قرارا صدر عن مدير الجمارك حينها صار يجبرنا بتحويل بضاعتنا او "شنطنا" الى "مقر الجمرك في ابو علندا" وهناك تبدأ رحلة المعاناة والتخليص، كنت ادفع رسوما جمركية لا تزيد على العشرين دينارا لان شنطتني كانت بائسة، لكن المعاناة في التخليص على "الشنطة" صارت اكثر كلفة من الاستمرار.
وهكذا توقفت وبدأت رحلة بحث عن عمل اخر فكان "الفرن الحراري"..
لا علينا..
كنت ابيع اكثر بضاعة "شنطتي" الى محال سوق البخارية أو البلابسة، وأقمت علاقات طيبة مع بعض اصحاب المحال، وصار بعضهم يوصيني بنوعية بضائع محددة، الامر الذي سهل "تجارتي" الصغيرة.
صرت اذهب للشام ومعي قائمة بضائع مطلوبة، فصار بامكاني الذهاب والعودة في ساعات، لان "التواصي" وفرت علي الوقت في البحث والتفكير في نوعية البضاعة المطلوبة.
أتاحت لي تجارتي هذه ان أسعف نفسي وأسرتي من العطالة لمدة زادت عن السنتين قليلا.
كنت ولا زلت كلما نزلت الى "سوق البخارية" اجلس اشرب الشاي مع صديقي "محمد ابو حميدان" و "محمد ابو لبدة"، وهم من رفاقي الذين استقالوا ايضا من صفوف الجبهة بعد سنوات من الاعتقال والتشرد.
خرج أصدقائي من السياسة والسجون ليجدوا أنفسهم عاطلين عن العمل، فوجدا في سوق البخارية مصدر رزقهم.
أقام "ابو لبدة" بسطة أمام السوق، وجاهد في التخفي من موظفي الأمانة، كان في مرات يجد في بعض أصحاب السوق ملجأ لتخبئة بضاعته عن أعين موظفي الأمانة، توسعت تجارة ابو لبدة فتضمن محلا تجاريا على باب السوق يبيع فيه ملابس داخلية رجالية ونسائية.
أما "ابو حميدان" الأب المسؤول عن ستة افراد فلا يزال يضع "كرتونته" أمام باب السوق عليها "بيجامات" او "جوارب" او أي بضاعة قد يكون عليها طلب اكثر من غيرها، ولا يزال ابو حميدان، منذ أكثر من 12 سنة يجاهد مع موظفي الامانة، لا يبتعد كثيرا عن صديقة "ابو لبدة" فان صار وقامت الأمانة بـ"كبسة" يحمل "كرتونته" ببضاعتها ويخفيها في محل "ابو لبدة" حتى تمر العاصفة.
عمان كبرت، مثلما كبرت، اصبح لديها "مولات" واحياء ومراكز تجارية كبيرة، وشوارع وكالات، وماركات، لكن وسط البلد بقي قلب عمّان النابض...
ما ع قلبك شر يا عمّان...
الأمر محزن جدا ، قبل أيام كنت أتجول في منطقة وسط البلد و كانت الأحوال لا تسر على الإطلاق : الإزدحام ، التلوث ، قلة النظافة ، الإهمال ..
لا أعلم إن كان هذا الحريق "سيطفئ" منطقة وسط البلد للأبد (تحت مظلة التحديث) أم أنه سيشكل رافعة (أو صرخةإستنجاد) للإهتمام و لو قليلا
" بقلب عمـان " ..
دمت بخير ..
فـاخـر النـحـال | 06/08/2009, 16:59
الصديق محمد عمر؟؟؟
ما على قلبك شر كذلك..
كنت في عمان التي ما على قلبها الشر - لولا الزحام الذي يخنقها ، ولم اكن امتلك في الوقت ما احك به رأسي..
وفرصة وانا في البزنس سنتر في قاعة البرجوازيين او المتبرجزيين شكلا لا مضمونا مثلي في الدرجة الاولى ان اٌقرأ مدونتك التي قاطعتها لعدم التفرغ خلال اسبوع صاخب في عمان...
ساعود الى عمّان بعد اسبوعين لقضاء رمضان هناك ان شاء الله ، متمنيا ان تكون زحمة عمان تحلحلت بعض الشيئ ،،،
،،
بالمناسبة انا كنت في وسط البلبد امس واشتريت ماكينة خياطة سنجر ، باعتني اياها واحده في وكالة سنجر وهذه اول مرة بحياتي بلاقي موظفة في محل بوسط البلد ،،
واشتريت ايضا ازرارات جنز لان معظم البناطيل بدأت تضيق علي وتحتاج لتوسعة بحدود 2 سم بفعل مناسف الوطن..!
سلامي لكل ولبناتك ولكل من تحب..
محمد العمري | 06/08/2009, 18:00
إلى سامي
ليست مجاملة للأستاذ محمد عمر، ولكن من قال لك أن الردود علامة على القراءة؟ أو علامة على الإعجاب أو حتى السخط؟
تفاجأت قبل أيام أن تدوينة لمحمد عمر تناقلناها في العمل عبر الإيميل.
ولم تكن المرة الأولى.
اليوم مثلا، قمت بنقل التدوينة إلى أخواتي في أمريكا. في الوقت الذي لم أعلق على التدوينة هنا.
يا أستاذ سامي: لم تعط مع أذنيك إلا نطقا واحدا، إلا لتسمع ضعف ما تتكلم.
ياااااااا لثقافة الردود عند البعض
بسمة فتحي | 06/08/2009, 19:42
التعليق الاول ذكرني بشيء لطالما حيرني..وهو من أين لمحمد عمر هذا الجلد والتنوع في طرح المواضيع..؟؟!!..لا سيما أنه يكتب بصفة شبه يومية..!!!
أفكر جديا في انشاء مدونة لكنني أخشى أن تكون فارغة و لا تضف شيئا لاحد..
أستغرب فعلا من بعض الخربشات التي يصر أصحابها على ادراجها كمدونة..!!!..
كنت أعتقد لما صادفت مدونتك و أعجبت بها أنها مجرد صدفة -ذلك أن متابعة المدونات في الماضي كان يعتبر ترفا لي لا أمارسه- ..و أنني مع الوقت سأجد الكثير غيرها..لكن حتى الان لا أتابع الا عدد لا يتعدى أصابع اليد الواحدة منها ..
و اعجابي هذا لا يعني تأييدي لكل فكرة مطروحة بقدر ما هو احترام وتقدير لوجهة نظر خاصة..
طبعا حجم الفائدة و متعة القراءة نادرا ما يجتمعان معا في أسلوب كتابة..
إيمان | 06/08/2009, 20:56
انا عادة أرد على مدونات ،، الا لأشخاص معينين هنا كمدونات محمد عرسان،، ولكن العنوان استهواني،، واكملت القراءة بجدية اكثر خصوصا عند الكلام عن الرفقاء"ابو حميدان"و "ابو لبدة" مع العلم اني لست بمنظم لأي حركة لصغر سني نسبيا مع ايام المقاومة الا انني اعشق اي حكاية صغيرة تحكى عن الجبهة ورفقاء الجبهة... نرجع للموضوع الاساسي وأردد العنوان الملفت المحزن ما ع قلبك شر يا عمان... مشكور للوصف الجميل للعاصمة الحبيبة عمان
الياس محمد سروجي | 06/08/2009, 22:04
عمان بتكبر في القلب كالجمر والآه عندما اقرأ لك مقالة عنها.
نائلة | 06/08/2009, 23:05
اه والله ما على قلبك شر يا عمان ..الاسواق القديمه والعريقه كباب خان الزيت عنا في القدس او البخاريه ووسط البلد في عمان والحميديه وخان الخليلي في دمشق والقاهره , هذه الاسواق تشكل ذاكرتنا وهي جزء من تاريخنا وتراثنا ..
الغريب في الموضوع والردود انها تحولت لمحاورة الاخ سامي الذي اما ان يكون هو نفسه مدونا او بيحاول انه يكون مدون ... يعني اللي بقصد اقوله انه رده او تعليقه يخلو من الموضوعيه وهو راي شخصي ..انسونا من الاخ سامي
بسمه | 07/08/2009, 06:30
الله يحي اصلك ويحي القدس ام العواصم اللي انت منها.
احمد العزوي | 09/08/2009, 15:08
احب التعرف على عمان من خلال كتاباتك لانني لم اعرف جمالها من خلالها
اما الرد على التعليق الاول
كثيرا ما امر على المدونه ومن دون تعليق لاني ارى الموضوع كامل لا يحتاج الى تعليق كما انه ليس ضروري ان يكون حجم التعليقات كبير دلاله على انتشار البلوج وحيويته
sozan | 07/08/2009, 16:12
يبدو ان المسؤولين عن تطوير مدينة عمان نسوا اوتناسوا ان من لاماضي له اكيد لن يكون له حاضر او مستقبل انهم يتجاهلون مايطلق عليه وسط البلد في اخر زيارة لي لعمان لاحظت كم تفتقر وسط البلد الي اساسيات البني التحتية بيمنا تصرف مبالغ هائلة في اعمان الغربية نعم نظيفو وحديثة لكنها من غير روح مدينة هجينة نسخة كاربونية باهتة لمدينة خليجية اقدم مدلرسة فيها اسست في نهاية السبعينيات المفروض يتم الاهتمام بتاريخ عمان و طرازاها المعماري تحسن عيوبها وتحديثها وليس الانسلاخ عنها استاد محمد عمر لازلت اصر عليك وانتظر كتاب يحمل اسمك ويتضمن يومياتك وتقبل مروري
شخص | 08/08/2009, 10:55
يبدو ان مدونتك صارت مملة لدرجة انها ما عادت تثير اي تعليق.
سامي | 06/08/2009, 15:32 [ الرد ]