كان بنفسي اكتب مدونة اليوم بدون مناسبة، بدون استفزاز، لكن، للأسف،،،
قرأت مقالاً استفزني جدا، وأثار قرفي، لن أتحدث عن المقال، لكن لديّ ما أرويه...
يمكن، اعتقد، أن الكثيرين من قراء مدونتي باتوا يعرفون ان والديّ كان يعمل بستانيا، في حدائق بيوت أغنياء عمّان، خاصة في جبلي "اللويبدة" و "عمّان"،،،
كنت في أيام العطل وأحيانا بعد الدراسة أرافق والدي إلى هذه "البساتين" لمساعدته،،
كان والدي معروفا في الحارة والبيت بلقب "أبو منير"، لكن أغنياء "عمّان" منحوه لقب "أبو العبد"، وكنت استغرب هذه الازدواجية: في "مخيم الوحدات" يكون والدي "ابو منير"، وفي "جبل عمّان" يتحول إلى "أبو العبد"...
والدي لم يكن استثناء طبعاً، فالأسماء كانت، قبل عصر الصين العظيم، تدل علينا،،،
في الوحدات كانت أسامينا: محمد، محمود، احمد، منير، عباس، عفيف،،،،
في جبل عمّان، كانت أساميهم: عاصم، باسم، طوني، بسام،،،
اليوم، تساوت الأسماء، وصار الفقراء يسمون "عيالهم جان"، بدل "شلاطة"...
ما علينا،،،
كانت "ام عاصم"، زوجة الرجل المهم، التاجر في "سوق السكر"، تقف على شرفة الطابق الثاني لمنزلها، وتنادي بأعلى صوتها على ابي،، هذا قبل ان توجد الموبالات في يد "سيدات البيوت"، فكيف بخدمها،،
تنادي "ام عاصم" على ابي: ابو العبد، معلش تبعت ابنك يحمل مع الصانعة السجادة، الله يرضى عليك خليه يّغسل أيديه، ويشلح كندرته..
والدي: روّح يا يابا ساعد خالتك ام العبد في تطليع السجادة للسطح.
كنت اقترب من باب المنزل، فتنهرني "الصانعة" ام العبد، قائلة: اشلح صندلك واستنى برة، هسا بجر طرف السجادة لعندك، بلاش تدخل وتوسخلي الأرض،،،
بعد أيام تقف "أم عاصم" على الشرفة وتنادي: ابو العبد، الله يرضى عليك ما فيك تلاقينا بنت صغيرة وغلبانة تيجي تساعدني في شغل البيت بدل الصانعة ام العبد".
يرد والدي: والله ما بعرف شو أقولك يا ست أم عاصم، م أنتي عارفة الناس في المخيم فلاحين وبحبوش يشغلوا بناتهم صانعات، بس انشالله بسألك وبرد لك خبر...
فاصل،،،
زمان، كان أهل "عمّان" يطلقون مفردة "صانعة" على "الخادمة"، هلا في ناس بستحوا شوي بسموها "عاملة منزلية"،، بس
يمكن، كانت الناس تستحي تسمي "الخادمة" "خادمة، لكن عندما أرادوا أن يختاروا مفردة اخرى أسموها "صانعة"،،،
لا ادري لمّا هذا الاختيار، ربما لأننا كعرب "فلاحين وبدو وتجار" نحتقر الصناعة، كما هو حال مفردة "مهنة" في اللغة العربية، التي تعني الامتهان،،،،
مش بس هيك،،
كانت "ام بسام، وهي زوجة مقاول عمّاني، تطلب من والدي دائما ان ينظف مستودع البيت الذي كان زوجها يملئه بكلاكيش تهم مهنته.
في بعض المرات كانت "كلاكيش" "ابو بسام" تكون كثيرة فيحتاج الوالد إلى مساعدة،،،
فتقول له أم بسام: ابو العبد، ازا ما بتقدر تنظف المخزن لحالك شوف لك فاعل يساعدك من عند الجامع،،
تقصد "الجامع الحسيني" في وسط البلد، حيث كان، ولا يزال يتجمع مئات العمال، او، الفاعلين، بلغة العرب،،،
يمكن مفردة "فاعل"، أكثر
مفردة بتوحي بالاحتقار، لدرجة ان هذه المفردة المشتقة من "فعل"، تستخدم
للدلالة على أحط "الأفعال"، فالعامل يصير "فاعل" اذا كان عامل
"يومي" أو "متسبب"، كما يقول أهل الشام، وليس عاملا ثابتا في
مهنة أو صنايعي،،يقال : "فلان بشتغل بالفاعل"...
بس لمفردة "فاعل" دلالات أكثر سوءا مثل فعل اللواط، في ناس بتقول "فلان فعل بفلان"، يعني فلان شمط فلان...
صحيح، الملافظ سعد...
فاصل،،،
ذات يوم قام احد أباطرة الصين بزيارة الحكيم كونفوشيوس، يشكو له أحوال البلاد والعباد:
وقال الإمبراطور للحكيم: البلاد في وضع اقتصادي صعب والجرائم في ازدياد والرعية غاضبة، فبماذا تنصحني، ومن أين ابدأ بالإصلاح؟
أجاب كونفوشيوس: ابدأ باللغة،،،
ما علينا،،،
المهم، العر تعبانين في ماذا يطلقون على المرأة العاملة في المنزل لتتفرغ ربة البيت للإبداع في إرضاء الرجل، أو، في كتابة مقالات تافه: صانعة، شغالة، خادمة، لفاية، حويصة، فراشة، المرة (المرأة) إلي بتيجي تنظف، البنت إلي عندي بالبيت،،،الخ
بس في فرق طبعاً،،،
زمان، كانت "سيدات عمّان"، على قلتهن، متغلبات مع "الصانعات"، وكان من النادر أن تجد "صانعة" رغم الفقر،،،
فكان اغلب أهل عمّان يستعينون بـ"صانعة" غير مقيمة، أو "لفاية"، كما يقال لها في الشام ولبنان، او، حويصة، كما يقال لها في الخليج، او "شغالة"، في مصر...
لكن مشكلة البحث عن "صانعة"، كانت مشكلة حقيقية، قبل أن يخترع اقتصاد البزنس تجارة البشر، عفوا، تجارة استقدام الخادمات، واستيرادهن من اربع أرجاء المعمورة وبأسعار مناسبة وبالتقسيط مع كفالة وضمان وشهادة خلو من الأمراض،،،
زمان كانت "أم عاصم" تنتخي "أبو العبد" يفتش لها عن "صانعة" محلية الصنع...
أما "أم عاصم" و "ابو عاصم" الجديد، الذين تكاثروا أكثر من زبالة عمّان، لم تعد بحاجة "جميّلة ابو العبد"، فصارت تفلفش جريدة "الوسيط" أو "الممتاز" أو أي جريدة إعلانية، من هذه الجرائد التي تسهم في تدمير البيئة، وتعميم التفاهة،،، لتوصي على "عاملة منزل"، او "خادمة" مع أو بدون موبايل..
تجلس "أم عاصم" الجديدة، على مكتبها تفكر في المقال الذي سوف تكتبه للجريدة، تخرم على مغ نيسكافية، لكنها تتذكر ان ليس لديها "شغالة" تعد لها مغ النيسكافية، وبما أن "الخادمات" لم يعدن ترفاً في عصرنا الحالي، تبحث أم عاصم الجديدة عن السماسرة الجدد، فتجد رقما وتتصل:
الو، معلش الله يرضى عليك، محتاج خادمة اندونيسية، كويسة ورخيصة وبنت ناس، ولازم تراعيني بالسعر، خاصة بالدفعة والأولى والأقساط، أنت عارف الدنيا غلى نار أسعار، وأنا وزوجي موظفين غلابة على قد حالنا...
يرد السمسار: ولا يهمك، راح اشوفلك أفضل شي وبأحسن سعر، تكرمي يا ست، وكمان معها كفالة لمدة سنة من الهرب، وشهادة خلو من الإمراض، وفوق كل هاد ما بتستخدم خلوي. ولا بتحكي ولا بتشكي، ولا من تمها ولا من كمها.. خرسة، طرشة وعميّة...
يضيف السمسار: عندي وحده فلبينية جاهزة حالياً، بنصحك فيها، وإذا ما عجبك الفلبينيات، فبدك تستني علينا شغلة شهر زمان لتصل الدفعة الجديدة من اندونيسيا...
ترد ام عاصم الجديدة: لا الفلبينيات ما بخافن الله، خلينا على الاندونيسيات، هادول مسلمات، ويا ريت تكون محجبة وبتعرف الله أحسن ما تقعد تغري في الزلمة وتطق حنك ع الموبايل مع البواب...! خلص بستنى شهر زمان بيعن الله...!
"ام عاصم" الجديدة متل "ام عاصم" القديمة، تعتقد أنها تسدي خدمة إنسانية للـ"صانعات" أو "الشغالات" أو "الخادمات" أو "اللفيات" أو "الفراشّات" أو "الحويصات"، بان توفر لها "فرصة عمل"،،،
لكن "ام عاصم" الجديدة، تعتقد انها تتفضل على "الخادمات" ايضا، اذ انها تسهم في "تحضرهن" وتعليمهن "الصح والخطأ"، وكيف تستخدم الموبايل، او كيف تلبس الحجاب، او كيف تضع الشوكة على يسار الصحن أو الطنجرة، اقصد على يسار "ابو عاصم" المتكرش، عندما يجلس على الطاولة لانه لا يصح ان يأكل "ابو عاصم" بالشوكة في يده اليمنى...
المهم،،،
قبل فترة، أقامت إحدى المنظمات النسائية "الإنسانية" جدا، بيت لاستضافة النساء المعنفات، وقد كانت هذه المنظمة ترفض استقبال الخادمات المعنفات، لأنه : ما بسير نحط الأسياد مع العبيد، ما بسير نحط سيدات البيوت وربات الخدور مع الخادمات، ولولا تدخل الجهة المانحة، الأميركية بالطبع، لبقيت الدار حكرا على "السيدات الأردنيات" المبدعات.
ومع ذلك، ولخلق تعقيدات اكثر، وضعت
الدار شروطا صعبة، فصار من المستحيل ان تلجأ "صانعة"، صنع آسيا، تحديدا، معنفة إلى الدار...
منظمة نسائية اخرى قدمت مقترحا، مع تمويل أجنبي، إلى إحدى الوزارات يقضي ببناء
مساكن "للخادمات الوافدات" بحيث يسكن فيه بشكل إنساني أفضل من الظروف
المزرية التي تعيشها الخادمات في منازلنا،،،،
أجاب السيد الوزير: هاظ إلي ظايل علينا، نعمل سكن للخدمات....!
خلص قرف....
أحد المناظر المثيرة للاشمئزاز و القرف بالنسبة لي هي رؤية إحدى "المخمليات" في سوريا و هي تتسوّق أو في مطعم و خلفها "الفلبينية" و هي ناتعة الأكياس أو حاملة الولد المخملي و متحملة غلاظتو و غلاظة أمو.. و لسى الإعلانات المهينة الموجودة في الصحف عن مكاتب النخاسة و بيع البشر...
و أسفاه
yassin | 07/10/2009, 13:51
طبعا الموقع الي ناشر المقالة إياها شكلو ما بدو ينشر تعليقي!!
"حمى اقتناء الخلوي من قبل الخادمات استشرت وأصبحت مؤرقة ولا تؤدي الغرض الذي لأجله حضرن، فالتي لا تحضر من بلدها وهاتفها إلى جانبها ستطلبه حتما وستحصل عليه بطريقة أو بأخرى منتهزة أية فرصة، وذلك نتيجة احتكاكها بمثيلاتها اللواتي يملكن خطا هاتفيا ويتبادلن الثرثرة والرسائل وبطاقات الشحن ومهمة افساد بعضهن، وأية أمور أخرى تحت بند العلاقات العاطفية!. "
إشي بجلط!!
يعني أنا مش فاهم لو راحت بعقد عمل عل خليج ومنعو عنها الموبايل لنفس الحجة شو بكون شعورها!!
مواطن من كوكب الأرض | 07/10/2009, 14:06
يا ريت لو يستوردوا خادمات بدون السنة بكون افضل.
أروى | 07/10/2009, 14:23
قبل كل شئ .. ألف رحمة على الوالد ، حبات العرق التي أضاءت جبينه أعرفها جيدا .. و أقدرهــا .
في قلبي غصــة ..
ليس بسبب أبو عاصم و حرمه (عديمة الصون).. و لا بسبب المزابل المشرعة أمام أعيننا ليل نهار ، و العطن الذي يعبق في أنوفنا رغما عنا ،و الخبث الذي يشنف آذاننا ، و العهر الذي يلازمنا كظلنا و كل أوقاتنا .. غـصـتي على من أرغمته الحاجة و الفقر و العوز أن يغادر بلده بسبب "حفنة أرز" و ألقاه قدره قريبا من نابنا الأزرق ، ليستمتع و يذوق على يدنا بعض من مزابلنا ، عطننا ، خبثنا و عهرنــا ...
المشكلة يا رفيق وجعي أن الناس في مجتمعاتنا ما سئمت الشكوى من أن قدما ما محشورة في "...." .. و رغم وطء تلك القدم المحشورة ، إلا أن أيا منهم لم يلاحظ في أي "...." محشورة قدمه هو الأخر !!
مجتمعنا ليس بحاجة إلى معلم أو قدوة أو موجه ، بل بحاجة إلى كناس ! نعم كناس .. و أتمنى أن يكون كناسا قد حباه الله " بقدميـن" تضجان بالقوة و العافيــــة !!!
.. لأنو هيك مزبـــــــلة
بدهـا هيك .. كـنـــاس
فـاخـر النـحـال | 07/10/2009, 14:32
الله يرحم روحك يا أم باسم
الدوار الأول | 07/10/2009, 16:43
يوجد أيضا تعبير "السريلانكية". والطريف أنه صار يطلق على أي خادمة أيا كانت جنسيتها.. سمعت إحدى قريباتي تقول: إحنا سريلانكيتنا إندونيسية... عبث والله عبث
فلسطيني وأفتخر وأردني وأفتخر | 07/10/2009, 18:36
يعني مدونتك خلتني أرجع أقرى المقال اللي قرفني عنوانه. الله يسامحك.أم باسم ذكرتني بواحده كان ممكن تبقى حماة صديقي. كان تعليقها على حوار بخصوص دكاترة الجامعات العراقيين والمصريين في الجامعات الاردنيهوأن بعض المصريين يدارون الطلاب ويطلبون خدمات منهم, فقد اطات رقبتها مثل الديك الرومي وأفادت بأن كل الحء على عبد الناصر,مش أبوديب, لاْنه سمح للي بسوى واللي ما بيسوى يدرس ويدخل جامعات. بدي أروح اخدلي شاور إتوسخت من هالسيره
ترف الشخاخات غير الوسيمات | 07/10/2009, 20:40
تدهشني يا محمد بذاكرتك القوية وفي التقاط ادق تفاصيل الطفولة وسردها بشكل جميل ومشوق... اما سبب اطلاق لقب ابو العبد على الوالد بدلا من ابو منير (كما كان يعتقد الوالد) فهو ان لقب ابومنير كتير على بستنجي معدم ... اما السيدة ام عاصم والتي كانت تقيم قرب الدوار الاول في جبل عمان فكان لقبها ام باسم وليس ام عاصم بس ما فرقت ... الف رحمة على روح الوالد ...
عباس | 07/10/2009, 13:36 [ الرد ]