جدار برلين والمنطقة الصناعية في عمّان...!
03 تموز, 2010
تبدو المنطقة هادئة جدا، لا حركة للسيارات والناس، لا أصوات الا بعض طرقات شواكيش تسمع من هنا وهناك وكانها عزف رتيب، لن تسمع هذه الطرقات منفردة في يوم اخر غير يوم الجمعة.
الجمعة، ليس اليوم الامثل لزيارة المنطقة الصناعية الواقعة "شرق عمان"، حيث تكتظ المنطقة بكل أنواع "الصنايعية" و "التجار" ايضا.

قبل انهيار جدار برلين عام 1989، والغزو العراقي للكويت عام 1990، لم تكن المنطقة الصناعية بهذا الاكتظاظ في "الصناعات" ولا بهذا الاكتظاظ بالبضائع.

شرق "مخيم الوحدات" على الجانب الشرقي من "شارع وادي الرمم" او "اليرموك" حسب التسمية الرسمية، وخلف "كازية جردانة". وعلى امتداد "شارع مادبا" حسب التسمية العامية، وتحديدا من "دخلة رشاد" الى حدود "ابو علندا" و "الجويدة" حيث "بوندد عمان"، او الجمرك، و "سجن الجويدة" كانت، ولا تزال تمتد اهم "منطقة صناعة" او اكبر منطقة صناعية في "عمان" وربما الاردن.

هي ليست منطقة صناعية بالمعنى المقصود في الصناعات، فليس فيها سوى بعض المصانع القديمة مثل "مصنع الطحينة" في "دخلة رشاد" او "مصنع امبريال" للالبسة الداخلية على شارع مادبا، وكلا المصنعين اغلقا الان، بسبب منافسات المصانع الأحدث في المناطق الاخرى.

اذن هي منطقة "خدمات" وجد فيها "الصنايعية" مكانا للرزق، فيها كانت محال تصليح السيارات، مكانيك وبودي، وفيها كانت مصانع "السحاحير" الخشب او المناجر، التي كانت تصنع هذه السحاحير بسبب قرب سوق الخضار المركزي منها.

كان المزارعون والتجار يحضرون بضائعهم لسوق الخضار، الذي يطلق عليه للان اسم "الحسبة"، على التسمية العربية القديمة للأسواق والانظمة المالية، التي صارت تعرف الان بالموازنة وتعليمات البنك المركزي. كان هؤلاء يبيعون بضائعهم في "الحسبة" ثم يعودون الى المناجر لشراء "السحاحير".

وخلق وجود "الحسبة" التي نقلت من "الوحدات" الى "ابو علندا" شركات كبيرة لتوضيب وتصدير الخضروات والفواكه الى دول خليج، قبل ان تتطور الصناعات الزراعية التصديرية وتصبح عمليات التوضيب اكثر تعقيدا بسبب تعقيدات المواصفات والمقاييس.

الى جانب الحسبة والمناجر وكراجات تصليح السيارات انتشرت ايضا محال "الخراطة" ومناجر الاثاث، ومناجر الابواب والشبابيك، وصناعات الالمونيوم وبعض الصناعات الغذائية البسيطة ومحال تصليح الادوات الصناعية والزراعية.

وسحبت هذه الصناعات تجارا متخصصين في بيع لوازم هذه "الصناعات"، فتوسعت المنطقة بمحال وشركات لبيع الاخشاب للمناجر، والمعادن للمخارط وعدد ولوازم الكراجات والصناعات الاخرى.
لكن الامر الذي بقى مهيمنا على المنطقة هي الكراجات ومحال بيع قطع غيار السيارات، وكادت المنطقة تتخصص في هذا.

قبل الغزو العراقي للكويت سيطرت عائلة واحدة، هي عائلة "الجبالي" الخليلية على تجارة قطع غيار السيارات، وفي المنطقة يطلق عليهم اسم"الجبالية".

كانت العائلة الممتدة هذه، التي تتزوج من بعضها البعض، ويعمل اطفالها في نفس محال ابائهم، متخصصة في قطع غيار السيارات الالمانية و"المرسيدس" تحديدا. التي كانت السيارة الاكثر "شيوعات" في عمان خاصة في الاستخدام العام "السرفيس" و"التاكسي".

الواقع ان سيطرة "العائلات الممتدة" على بعض المهن والصناعات لم يكن حكرا على "الجبالية"، فلقد كان الامر شائعا الى ما قبل 1990، فلقد كانت عائلة "القواسمي" مهيمنة على سوق تصدير الخضروات والشحنات، وعائلة "الطباخي" على "المخارط والمعادن والقبان" وعائلات عشسيرة "الكوز" او "الكوزة" التي كانت تسيطر على قطاع تأجير الآليات الثقيلة وخاصة الجرافات، ومثلها الكثير، ما يذكر بـ"طوائف الحرف" و "المانفكتورا" على حواف المدن الكبرى، قبل تطور الصناعة والأسواق.

لا اعرف سر سيطرة "الجبالية" على سوق قطع غيار السيارات الالمانية، لكن كان شائعا زمان ان يسافر الاردني بسهولة الى المانيا، وكان البعض يتخذ من هذا تجارة حيث يذهب إلى ألمانيا ويحضر سيارة مستعملة ويقوم ببيعها في عمان اما كسيارة صالحة للاستعمال او كقطع غيار.

وكان المسافر الذي خبر السفر إلى المانيا يأخذ معه في المرات القادمة أقاربه لإحضار المزيد من السيارات، وربما هذا ما حدث مع "الجبالية".

غير ان "الجبالية" قفزوا دفعة واحدة بعد "انهيار جدار" برلين، وفتحوا محال كثيرة في المنطقة الصناعية واشتروا من ال الحديد وال الكوز وغيرهم أراض كثيرة، عرضوا فيها البضائع الكثيرة والمتنوعة التي صاروا يأتون بها من المانيا بعد انهيار الجدار.

صار "الجبالي" يذهب الى المانيا ويحضر بدل السيارات والقطع "مصانع" قديمة كاملة، ومعدات صناعية كبيرة، فقد كانت بدات في المانيا عملية تجديد صناعية ضخمة بعد وحدة شطري البلد، الغربية والشرقية.
وكادت المنطقة ان تتحول في تلك السنوات، الى ما يشبه تجمعا كبيرا للخردة، ولا تزال الكثير من الخردة هذه معروضة هناك للان.

على كل، أسهمت تجارة "خردة المانيا الشرقية" التي جلبت في إقامة بعض الصناعات الخفيفة منها صناعات مواد التنظيف "المزورة" او قليلة الجودة.

وقد انتشرت في المنطقة مثل هذه الصناعات الخفيفة بعيدا عن أعين دائرة المواصفات والمقاييس ورقابة حقوق الملكية الفكرية، ولا تزال هذه الصناعات تمد أسواق الفقراء في "الوحدات" و "مخيم الحسين" و"سط البلد" وغيرها بمواد تنظيف "مقلدة" لماركات شهيرة، أو بماركات جديدة بأسعار منخفضة.

وقد كان صديقي "سامي" الذي خرج من السجن السياسي صاحب احد هذه المعامل "السرية" حيث كان يصنع لوحده مواد تنظيف مثل "الفلاش" و"الهايبكس" قبل ان يتوقف عن العمل في معمله بسبب المنافسة الشديدة وتوفر خيارات أفضل.

لم تكن "المنطقة الصناعية" هذه اول مناطق "عمّان" فقد كان للمدينة منطقة ممتدة على طول "شارع المحطة"، حيث كانت بعض الكراجات ووكالات بيع وتجارة السيارات الكبرى وقطع الغيار ولوازم وعدد "الصنايعية".
ووجدت بعض الكراجات والوكالات ايضا في "شارع السلط" بالقرب من "مخبز صلاح الدين".

التدفق الكبير للاجئين على "مخيم الوحدات" بعد عام 1950 ادى الى ظهور هذه المنطقة وتوسعها حيث وجد فيها اللاجئين وخاصة المؤهلين منهم فرصة لكسب لقمة العيش.

اسهم "مركز تدريب وادي السير" المهني التابع لوكالة الغوث بمد المنطقة بالمزيد من الصنايعية فامتدت المنطقة وكبرت وطغت على ما عداها من اماكن تجمع الصنايعية.

وكانت المنطقة لنا، نحن الذين كنا اطفالا، مكانا للعمل خاصة في العطل المدرسية، فقد كنا نذهب في كل عطلة للعمل اما في الكراجات او المناجر او المطاعم. وكان بعضنا يبقى ويتعلم "صنعة" ليفتح "محل" لاحقا او يعود للدراسة.

المهم،،،

بعد غزو الكويت وتدفق اعداد كبيرة من "الصنايعية" و "التجار" توسعت المنطقة اكثر، وصارت متنوعة اكثر، ولم تعد محال قطع غيار او كراجات "اخصائي مرسيدس" هي الطاغية على المنطقة.

دخلت للمنطقة كراجات جديدة اكثر" اخصائي اميركي"، يعني مختصة في تصليح السيارات الاميركية، التي عادت للاردن بكثرة، بعد ان كادت تختفي لصالح الالمانية.

ولاحقا دخلت السيارات اليابانية ثم الكورية ثم الصينية، التي صارت مهيمنة الان على كراجات ومحال المنطقة الصناعية المختصة بتصليح وقطع غيار السيارات.

وقد ادخل هؤلاء معهم مفاهيم الشركات الكبيرة، وتأسست عدة شركات كبرى مختصة بالبيع والتصليح، لكن لم تؤثر كثيرا في الكراجات والمحال الصغيرة التي بقيت منتشرة وتتكاثر. فاغلب جمهور المنطقة يفضل التعامل مع هؤلاء لاعتبارات المفاصلة والرهبة من الشركات الحديثة.

غير ان دخول هؤلاء بقوة دفع للخلف بالعائلات الكبيرة التي كانت تسيطر على بعض المهن والتجارة. وعرفت المنطقة نموا غير مسبوق بعدد المحال وتنوع المهن وطرق البيع والشراء والعرض والبناء.

دخلت ايضا البنوك الى المنطقة بقوة، وفتحت افرعا كثيرة لها هناك، لكنها دخلت مجال الاستثمار في بناء مجمعات صناعية ضخمة مثل "مجمع بيتنا" وغيرها، ما وفر لعشرات الصنايعية فرصة الاستقلال عن ارباب عملهم وشراء محل بالتقسيط. وهكذا توالدت المحال بدون انقطاع وامتدت المنطقة لتصل "سحاب" شرقا وحتى نهاية وادي الرمم.

وتنبهت "عشيرة الكوز" للامر وانتقلت للاستثمار في مجال بناء المجمعات الصناعية التجارية وتاجيرها للوافدين الجدد.

تمتاز عشيرة الكوز، او الكوزة، عن غيرها بانها تقييم في المنطقة نفسها ولم يغادر من افرادها المنطقة سوى عدد قليل جدا، فهم رغم ما اصاب بعضهم من ثراء الا انهم يعيشون فوق الكراجات. لا يأبهون لا بمجتمع الصنايعية ولا بالفوضى والاصوات والروائح.
 
ويبدو ان تماسك وتمسك هذه العشيرة سمح لها دائما بايصال نائب عنها للبرلمان، وفي انتخابات 2007 استطاعت ايصال نائبين.

كنت ذهبت امس الجمعة الى المنطقة الصناعية هذه لغرض ما، وعاد الى الذاكرة كل ذكرياتي معها منذ كنت ولدا صغيرا يذهب للعمل في الكراجات او في المناجر، لتخليع السحاحير او لجمع المسامير والخردة وبيعها لـ"ابو عيسى" او للعمل في هذا الكراج او ذاك، او عندما كبرت وعدت الى عمان وضاقت علي السبل فأسست "فرنا حرارايا" لدهان السيارات سرعان ما بعته وعدت للعمل الفكري.

تعليقات

Comment Icon

يسلموا على الذكريات الحلوه بس اللي عن جد مزعج بالنسبة لتنظيم الصناعات في عمان هو المنطقة الصناعية الواقعة بين صويلح وتلاع العلي.
ما بين احتلال شارع ومدخل رئيسي على تلاع العلي من قبل الصنايعية ولا حدا قادر يحاكيهم.
وبين تنظيم مشوه وسط أرقى مناطق عمان السكنية لبعض الصنايعيه

الوضع عن جد مأساه

خلدون | 03/07/2010, 10:36 [ الرد ]

Comment Icon

عشيرة الكوز ما رحلت لانهم ما بدهم يصرفو كثير

محمد | 04/07/2010, 08:50 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba